كشفت أحدث البيانات الصادرة عن السنة المالية 2024-2025 عن مفارقة حادة في أداء المؤسسة العسكرية البريطانية، حيث رفض الجيش البريطاني نحو 74 ألف طلب انضمام إلى صفوفه، وهو رقم يكفي لملء قرابة 18 لواءً عسكرياً كامل القوام، في وقت تعاني فيه القوات المسلحة من عجز مستمر عن بلوغ أهداف التجنيد السنوية.
وتظهر الأرقام، التي نشرتها صحيفة “ذا تايمز”، ارتفاعاً في عدد الطلبات المرفوضة بمقدار 20 ألفاً مقارنة بالعام السابق، وبمعدل تجاوز 200 طلب مرفوض يومياً. وتؤكد هذه الإحصائيات أن أزمة التجنيد في بريطانيا لا تعود إلى نقص الراغبين في الخدمة، بل تكمن في الفجوة الواسعة بين أعداد المتقدمين والمعايير الصارمة للقبول.
أبرز أسباب الرفض:
تتوزع أسباب الرفض على عدة معايير رئيسية:
- المعايير الطبية: استُبعد أكثر من 32 ألف متقدم لأسباب طبية تشمل حالات كالحساسية الغذائية والسكري والصدفية، على الرغم من تخفيف القيود على بعض الحالات مثل الأكزيما وحب الشباب قبل عامين.
- القيود الإدارية: رُفض حوالي 22 ألف متقدم من دول الكومنولث بسبب سقف تنظيمي يحصر تجنيد الأجانب بـ 1350 فرداً سنوياً فقط.
- المظهر الخارجي: استُبعد أكثر من 360 متقدماً بسبب الوشوم أو ثقوب الجسد التي لا تتوافق مع الإرشادات العسكرية المعمول بها.
عجز مستمر منذ 2010
يواجه الجيش البريطاني عجزاً مزمناً عن بلوغ هدفه السنوي المقدر بنحو 11 ألف جندي لتعويض المغادرين، وهو هدف لم يتحقق منذ عام 2010. وقد أدى هذا العجز إلى انخفاض قوام الجيش إلى نحو 75 ألف جندي متفرغ، وهو أدنى مستوى له منذ الحقبة النابليونية.
إصلاحات متعثرة
وفي محاولة لتفكيك هذا الإرث من التعقيدات البيروقراطية، أُسند عقد خدمات التجنيد لشركة “سيركو” في فبراير 2025 بقيمة 1.5 مليار جنيه استرليني. وتستهدف هذه الخطوة توحيد أنظمة التجنيد وتسريع الإجراءات عبر “بوابة موحدة”، مع وعود بتقديم عروض توظيف مشروطة خلال 10 أيام، وإلغاء أكثر من 100 سياسة طبية قديمة. ومع ذلك، تشير أرقام العام الماضي إلى أن هذه الإصلاحات لم تنعكس بعد على نسب القبول.
تداعيات سياسية وعسكرية
تأتي هذه الأرقام في ظل دعوات متزايدة لتعزيز القدرات الدفاعية البريطانية، حيث أوصت “المراجعة الدفاعية” في يونيو 2025 بوقف أي خفض إضافي في عدد الجنود ورفع العدد إلى 76 ألفاً عند توفر التمويل. وانتقدت أوساط في حكومة الظل (حزب المحافظين) بطء وتيرة التمويل، محذرة من تداعيات ذلك على جاهزية القوات المسلحة في ظل التوترات الدولية الراهنة، لا سيما في ملف دعم أوكرانيا، حيث تبرز حاجة الجيش لتعزيز قدراته البشرية للوفاء بالتزاماته الدولية.
