محمد عبد الباقي

لم يعد الحصول على طعام أمراً ممكناً لغالبية اللاجئين السودانيين في مخيمات أوغندا، ويكتفي كثيرون بوجبة واحدة لا تشبعهم، كما يواجهون انتشار أمراض مثل الملاريا والتيفوئيد. مع نفاد الموارد الشحيحة، بعدما توقفت المساعدات النقدية والإعانات الغذائية التي كانوا يحصلون عليها من المنظمات الدولية والإقليمية، وفي ظل انعدام مصادر الدخل، اضطر كثير من اللاجئين السودانيين في أوغندا إلى التسول في المدن والمناطق القريبة بعدما قاسوا مرارة الجوع ومعاناة الأمراض. ويعكس ذلك حجم المأساة والانهيار الذي طاول أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية، ويكشف تزايد الفجوة بين حجم الاحتياجات الإنسانية الواسعة والدعم الدولي غير المتاح في الوقت الراهن. ويتزامن تدهور الأوضاع المعيشية مع انتشار أمراض مثل الملاريا والتيفوئيد نتيجة ضعف الخدمات الصحية وانعدام الصرف الصحي ونقص مياه الشرب النظيفة وانتشار البعوض المسبب للملاريا والذباب، في وقت تعاني المراكز الصحية المكتظة بالمرضى من نقص حاد في الأدوية والمستلزمات العلاجية والكوادر الطبية المؤهلة، حيث يجد المرضى أنفسهم أمام خيارين لا ثالث لهما، إما تحمل المرض دون علاج، أو البحث عن خدمات صحية خارج المخيم بتكاليف مالية باهظة تفوق قدراتهم بعدما استنزفت سنوات النزوح كل ما كانوا يملكونه من مدخرات. في مخيم كيرياندونغو غربي أوغندا الذي تسكنه أكثر من 17 ألف أسرة لاجئة من السودان تضم نحو 83 ألف شخص، تتجسّد ملامح الأزمة الإنسانية المتفاقمة بعدما فاقت قسوتها ما توقعوه حين وصلوا، فالأطفال يعانون من سوء التغذية، والنساء يقضين ساعات طويلة في البحث عن طعام أو أي عمل هامشي يوفر لهن دخلاً مؤقتاً ولو زهيداً، فيما يقبع كبار السن والمرضى في الأكواخ المهترئة عاجزين عن الحصول على العلاج غير المتوفر. ويقول لاجئون إن توقف المساعدات الغذائية دفع بعض الأسر إلى بيع ما تبقى لديها من ممتلكات بسيطة، مثل الملابس والأغطية وأواني الطبخ. ومع غياب فرص العمل واستمرار تدفق الفارين من الحرب في السودان إلى أوغندا تتراكم المعاناة ما يضع آلاف اللاجئين أمام واقع مرير يضيف مشقة أخرى على كاهلهم المثقل بالمعاناة، بينما لا تزال الحرب المستعرة في السودان تقف عائقاً أمام تفكيرهم بالعودة إلى ديارهم. تصف اللاجئة السودانية في مخيم كيرياندونغو، عائشة (68 سنة)، أوضاع اللاجئين بأنها قاسية بسبب الجوع والأمراض وعدم توفر المساعدات، وغياب أي رؤية تفسر الواقع المتأزم وتشرحه. وتقول المرأة التي تعيل أربعة أطفال أصغرهم في الخامسة من العمر لـ”العربي الجديد”: “كل الاحتياجات الضرورية تكاد تكون معدومة، فلا الطعام متوفر ولا مياه الشرب النقية ولا الرعاية الصحية، ولا توجد مدارس كي يذهب إليها أطفال اللاجئين”. وتتابع المرأة التي جاءت لاجئة من ولاية جنوب دارفور التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023: “أجبرتنا المخاطر والانتهاكات المتنوعة على قطع كل هذه المسافة بين السودان وأوغندا بأمل أن نجد حياة كريمة لأطفالنا في اللجوء، لكننا تفاجأنا بأن الأوضاع في المخيمات قاسية بسبب نقص الخدمات وعدم توفر التعليم وضعف الرعاية الصحية، وتنتشر في المنطقة الملاريا بصورة مزعجة للغاية. معظم اللاجئين يعانون من الجوع، فالطعام شحيح ونادر للغاية، لذا تعتمد الأسر على المطابخ الجماعية التي يديرها متطوعون يجمعون الأموال لشراء المواد الغذائية من الخيرين. وهذه المطابخ توفر وجبة واحدة في حين يندر أن تقدم وجبتين ما يجعل كثيراً من الأسر تعيش على وجبة واحدة يومياً. وأطفالي من بين من يأكلون وجبة واحدة في اليوم داخل المخيم، ويعانون من سوء التغذية والهزال الشديد”. ويقول اللاجئ سليمان أحمد (71 سنة) الذي جاء إلى أوغندا من ولاية شمال كردفان لـ”العربي الجديد”: “لا حرب في أوغندا ولا قصف بالمسيرات والطيران، أما المعيشة والصحة والتعليم فأشياء نادرة وباهظة الثمن. خرجنا من منازلنا هرباً من القتل وبحثاً عن النجاة، ورغم المشقة التي تعرضنا لها من أجل الوصول إلى المخيم لم نجد أي خدمات. في السابق كان يحصل اللاجئ الذي يصل إلى المخيم على 300 ألف شلن (نحو 100 دولار) لشراء أغراض من أجل بناء كوخ، ثم ينخفض المبلغ في الشهر التالي إلى 28 ألفاً للشخص الواحد، وفي الشهر الثالث إلى 16 ألف شلن. وأخيراً جرى تثبيت مبلغ 10 آلاف شلن في بعض المناطق. ويفترض أن يسمح المبلغ الممنوح بأن يشتري اللاجئ احتياجات لمدة شهر لكنه في الحقيقة عبارة عن سعر وجبة واحدة لمدة يومين فقط، ثم تبدأ معاناة الجوع والأمراض وسوء التغذية”. يضيف سليمان وهو أب لستة أطفال: “ظللنا نتحدث عن عدم توفر المواد الغذائية للاجئين وضعف الرعاية الصحية لكن لم تتحرك أي جهة في هذا الأمر. لا شيء أسوأ من الجوع والعطش والمرض، ونحن لا نستطيع العودة في الوقت الراهن كما أننا لا نجد الطعام، فماذا نفعل في مثل هذه الظروف؟ أطفالنا يتضورون جوعاً أمامنا وفقدوا فرصتهم في التعليم ولا نستطيع فعل أي شيء. بعض اللاجئين تدور الحرب في مناطقهم وآخرون لا يملكون القدرة المالية على العودة”. وتتحدث اللاجئة السودانية في كمبالا، أمل السر، وتقول لـ”العربي الجديد”: “النساء والأطفال هم الأكثر معاناة في المخيمات وداخل مدينة كمبالا والمُدن الأوغندية الأخرى. اضطرت بعض النساء إلى بيع ثيابهن وأغطيتهن من أجل توفير الغذاء لأسرهن، أما الأطفال فأصبحوا يتسولون في الطرقات، ومعظمهم لا يحصلون على تعليم ورعاية صحية. والأسوأ أن النساء اللواتي يعشن بلا أزواج أو معيلين أصبحن مشردات في الطرقات من دون مأوى. الوضع الذي يعيش فيه اللاجئون مؤلم للغاية، وحتى من يريدون أن يعودوا إلى السودان لا يملكون قيمة تذكرة السفر خصوصاً من لديهم أسر تضم عدداً من الأفراد”. في 19 يوليو/ تموز الماضي، أعلنت الحكومة السودانية وصول 106 لاجئين من أوغندا، إلى مطار بورتسودان الدولي ضمن الرحلة الثالثة في برنامج العودة الطوعية، في حين يصف اللاجئ في أوغندا، التوم عبد الله، محاولة البعض العودة بأنها “هروب من السيئ إلى الأسوأ”. ويضيف لـ”العربي الجديد”: “لا يجد اللاجئون في أوغندا الطعام والمأوى لذا أصبحوا في حالة بائسة ويفكرون في العودة التي تتحدث عنها الدولة، لكن الأوضاع في السودان نفسها ليست أقل سوءاً من اللجوء في المخيمات الفقيرة”. يتابع: “الأوضاع الإنسانية سيئة للغاية، ومعظم الأسر تقضي أياماً من دون إعداد طعام في أكواخها وتعتمد على المطابخ الجماعية فقط”. بعد توقف المساعدات الإنسانية التي كانت توزعها منظمات دولية ومحلية أصبح اللاجئون يعتمدون بصورة أساسية على المطابخ الجماعية التي يبلغ عددها 24 مطبخاً، وفقاً لعلي حامد عضو المكتب القيادي للاجئين السودانيين في مخيم كيرياندونغو. ويقول علي حامد لـ”العربي الجديد”: “توقفت سلال المواد الغذائية التي كانت توزع على اللاجئين منذ ستة أشهر مما اضطرهم للاعتماد كلياً على المطابخ التي تقدم وجبة واحدة في اليوم لسكان المخيم، وهي وجبة للأسف صغيرة وغير كافية لأكثر من شخص، لكن لأن اللاجئين ليس لديهم خيارات يعتمدون على هذه الوجبة بصورة أساسية”. وأوضح علي أن الأوضاع بائسة وسيئة للغاية بسبب الجوع وسوء التغذية اللذين يعاني منهما اللاجئون الذين أصبحوا في حالة متأخرة من المعاناة، مشيراً إلى أن آلاف اللاجئين ليست لديهم مدخرات ولا وظائف ولذلك يعتمدون على المطابخ التي لو توقفت سوف يتضرر الناس بصورة كبيرة. من جهتها، تصف فائزة محمد سعيد، مديرة أحد المطابخ في مخيم كيرياندونغو، حالة اللاجئين بأنها “كارثية” بسبب نقص التمويل وغلاء المواد الغذائية وصعوبة الحصول على رعاية صحية. وتقول لـ”العربي الجديد”: “تقدم المطابخ وجبة واحدة في اليوم وهي من مواد بسيطة وغير ذات قيمة غذائية في ظل انتشار أمراض مثل الملاريا والتيفوئيد والالتهابات المختلفة والحساسية”. وتشير إلى أنّ اللاجئين لا يعانون من الجوع فقط فالمرضى لا يجدون العلاج، والأطفال لا يذهبون إلى المدرسة. وقد يتسبب ذلك في التفكك الأسري والتشرد، وأتوقع أن تسوء الأحوال أكثر في الفترة المقبلة إذا لم يتوفر التمويل اللازم للمطابخ والصحة والتعليم”. ويواجه اللاجئون السودانيون في أوغندا صعوبات في الاندماج بالمجتمع، وتخاف أسر لاجئة على أبنائها وبناتها، في حين يعاني الجميه تقريباً من قلة فرص العمل وارتفاع إيجارات المساكن. يقول اللاجئ أنس الحسين لـ”العربي الجديد”: “فرص العمل محدودة، والمتوفر منها غير مجز، وقد عملت مرتين، مرة في أحد المصانع، والثانية في شركة لتوزيع المواد الغذائية، وفي النهاية اخترت فتح محل تجاري صغير في إحدى ضواحي بيالي، يمكنني من خلاله الإنفاق على أسرتي والتكفل بالمصروفات الدراسية والعلاجية”.  ويتوزع غالبية اللاجئين السودانيين في أوغندا بين العاصمة كمبالا ومدينة بيالي. في كمبالا يفضلون استئجار شقق أو منازل خاصة رغم ارتفاع قيمة الإيجارات، كما يحاول كثير منهم الالتحاق بسوق العمل رغم قلّة الوظائف، كما أسس بعضهم أعمالاً خاصة.