العنكبوت
د.مهند عثمان التوم
العلاقات السودانية الإسرائيلية طالما كانت محكومة بـجدار سميك من العداء التاريخي والقطيعة السياسية، فالسودان الذي يتبنى لعقود نهجاً قومياً عربياً متشدداً في مواجهة إسرائيل، تحول اليوم وفقاً للمشهد السياسي الراهن إلى ساحة تترقب تحولات جوهرية قد تقلب عقوداً من الجفاء والمواجهة إلى مسارات جديدة من العلاقات البراغماتية وهو ما يظهر جلياً في الخطاب الرسمي الإسرائيلي الاخير الذي بات ينظر إلى السودان كمنطقة ذات ثقل استراتيجي.
على مدى عقود لم يكن السودان فقط مجرد دولة عربية رافضة للوجود الإسرائيلي فحسب بل كانت لاعباً ميدانياً في الصراع وتعود جذور هذا العداء إلى مواقف السودان الصلبة الداعمة للقضايا العربية وتحديداً في الصراع مع إسرائيل خلال حرب الأيام الستة”عام 1967م فام تكتف الخرطوم بالمواقف السياسية بل انخرطت فعلياً في المعركة فالسودان شارك بوحدات عسكرية وقدم دعماً لوجستياً وتدريبياً مهماً للجيش المصري، كما كانت الكلية الحربية السودانية بمثابة مركز تدريبي حيوي للضباط المصريين، مما جعل إسرائيل تنظر للسودان كخطر أمني نشط.
وتظل قمة الخرطوم اللاءات الأيقونة التي صبغت علاقات السودان بإسرائيل لعقود، ففي تلك القمة أعلن للعالم اللاءات الثلاث لا سلام مع إسرائيل لا اعتراف بإسرائيل لا تفاوض معها، هذا الإعلان الذي طبخ في قلب الخرطوم فوضع السودان على رأس قائمة الدول التي تتبنى نهج المواجهة الصفرية، مما خلق تراثاً طويلاً من التوجس الإسرائيلي من الخرطوم.
تحول في الخطاب الإسرائيلي تجاه السودان من العدو إلى الشريك الاستراتيجي، فتعكس التصريحات الإسرائيلية مؤخراً تحولاً جذرياً في النظرة الإسرائيلية للسودان، كدولة ذات ثقل استراتيجي في أفريقيا مشيراً إلى مساحتها الكبيرة وتعدادها السكاني، وموقعها الجغرافي المهم الذي يربط بين مصر وشمال أفريقيا والساحل الشرقي للبحر الأحمر.
هذا التحول يعكس براغماتية سياسية، فإسرائيل التي كانت ترى في الجيش السوداني تهديداً عسكرياً باتت اليوم تبحث عن شراكات أمنية واقتصادية، فنتنياهو في مناسبات عديدة أشار إلى السودان كجزء من خريطة التوسع في علاقات إسرائيل مع الدول العربية والأفريقية، متجاوزاً الإرث التاريخي للاءات الخرطوم نحو مفهوم السلام مقابل المصالح.
التحول في العلاقات السودانية الإسرائيلية ليس صدفة بل نتيجة تغيرات جيوسياسية إقليمية، فالسودان الذي أنهكته الأزمات الأمنية والاقتصادية والسياسية، بات يرى في الانفتاح على المجتمع الدولي بما في ذلك إسرائيل كبوابة لرفع العقوبات والحصول على دعم اقتصادي، وتحسين موقفه في المشهد الدولي، من جانبها تدرك تل أبيب أن كسب السودان الذي كان يوماً قلب المواجهة انتصار استراتيجي ينهي حقبة طويلة من التحدي العسكري ويفتح أمامها آفاقاً جيوسياسية في العمق الأفريقي وعلى امتداد ساحل البحر الأحمر.
بينما لا تزال أصداء اللاءات الثلاث حاضرة في الوجدان الشعبي السوداني كرمز للكرامة والموقف القومي، فإن الواقع السياسي يفرض تحديات جديدة لإن رحلة السودان من كونه داعماً للمدفعية المصرية في حروب ضد إسرائيل إلى محاولات بناء جسور دبلوماسية تجسد بوضوح كيف تذوب الأيديولوجيات الصلبة أمام المصالح الاستراتيجية في مشهد إقليمي متسارع التغيرات.
