بعد مرور خمسة أشهر على اندلاع المواجهات المفتوحة، بات المشهد داخل أروقة البيت الأبيض يعكس حالة من التخبط الاستراتيجي. الرئيس دونالد ترامب، الذي راهن على “حسم سريع” للحرب مع إيران، يجد نفسه اليوم أمام جدران مسدودة، مع تآكل هامش المناورة، وتصاعد الضغوط الشعبية التي تهدد مستقبل حزبه في انتخابات منتصف الولاية الحاسمة.
بينما يحاول الرئيس ترامب استثمار “الاختراق الدبلوماسي” الذي أعلنه بشأن نزع سلاح حركة حماس في غزة، كنوع من التغطية السياسية، إلا أن الجبهة الإيرانية تظل هي “الصداع المزمن” الذي لا يجد له حلاً.
وهم “الحسم السريع”
عندما اندلعت شرارة الحرب في 28 فبراير/شباط الماضي، والتي بدأت بضربات جوية أميركية-إسرائيلية مشتركة أسفرت عن مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي، كان خطاب الإدارة الأميركية في واشنطن يتحدث بثقة عن مهلة “4 إلى 6 أسابيع” لشل القدرات النووية الإيرانية.
اليوم، وبعد خمسة أشهر، كشفت الوقائع الميدانية عن هشاشة تلك التقديرات. وبينما يقر المسؤولون الأميركيون بتحقيق أهداف عسكرية ملموسة -كتدمير أجزاء واسعة من البحرية الإيرانية وإضعاف الترسانة الصاروخية- إلا أن الحرب تحولت إلى “حرب استنزاف” طويلة الأمد، محورها مضيق هرمز، مما تسبب في شلل للتجارة العالمية وأدخل واشنطن في مواجهة مباشرة مع تبعات اقتصادية لا ترحم.
دبلوماسية “العين بالعين” والاتفاقات المنهارة
في السابع عشر من يونيو/حزيران الماضي، بدا أن هناك بصيص أمل لاتفاق إطاري، سرعان ما تبخر تحت ضغوط داخلية في واشنطن اعتبرته “تنازلاً لطهران”. ومنذ السابع من يوليو/تموز، عادت لغة المدافع لتسود المشهد، مع اعتماد الطرفين سياسة “العين بالعين”؛ ضربات أميركية تقابلها هجمات إيرانية تستهدف القواعد الأميركية في الأردن والخليج.
وفي تعليقه على هذا الجمود، يقول ريتشارد هاس، الرئيس السابق لمجلس العلاقات الخارجية، في إحاطة أخيرة: “يصعب علينا أن نفهم كيف سينجح هذا النهج اليوم، بعدما أخفق طوال الأشهر الخمسة الماضية”.
معادلة خاسرة للجميع
أدت الهجمات الإيرانية المتكررة على دول الخليج إلى ارتدادات اقتصادية عالمية، حيث ارتفعت أسعار المحروقات لمستويات قياسية، وهو ما أثر بشكل مباشر على جيب المواطن الأميركي. هذا “الاستنزاف” الاقتصادي انعكس بدوره على المزاج الشعبي العام.
تشير استطلاعات الرأي التي أجراها الخبير السياسي نيت سيلفر إلى مؤشر مقلق للبيت الأبيض؛ حيث يعارض 58,3% من الأميركيين الحرب، في مقابل تأييد لا يتجاوز 37,4%. هذه الأرقام، التي تأخذ منحى تصاعدياً في السوء منذ مارس/آذار، تضع ترامب في مأزق سياسي خانق قبل أربعة أشهر فقط من انتخابات الكونغرس، مما يثير مخاوف حقيقية من فقدان حزبه للأغلبية.
كارين يونغ: لا حلول سريعة في الأفق
الباحثة المتخصصة في سياسات اقتصاد الخليج لدى “معهد الشرق الأوسط”، كارين يونغ، حذرت في حديثها للصحافة هذا الأسبوع من أننا أمام صراع طويل الأمد لا يملك ترف “الحلول السريعة”. وأكدت أن حتى الانتقال السياسي في طهران لا يضمن الاستقرار، بل قد يفتح باباً أوسع للفوضى الإقليمية.
من جانبه، وصف أليكس فاتانكا، الخبير في المعهد ذاته، الوضع الحالي بـ “المعادلة الخاسرة للجميع”، مشيراً إلى أن غياب استراتيجية خروج واضحة يجعل الإدارة الأميركية أسيرة لخيارات مريرة، كلها تضعف من هيبة واشنطن وقدرتها على ضبط إيقاع المنطقة.
خاتمة: مأزق البيت الأبيض
بينما تشير التقارير المسربة من “إن بي سي نيوز” إلى حالة “الاستياء والغضب” التي يعيشها الرئيس ترامب داخل البيت الأبيض بسبب خياراته المحدودة، يظل السؤال الكبير قائماً: هل سيتمكن ترامب من ابتكار مخرج دبلوماسي جديد، أم أن “الفخ الإيراني” سيتحول إلى كرة ثلج تطيح بآماله الانتخابية في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل؟
الأيام القادمة وحدها ستكشف ما إذا كانت واشنطن ستنتقل من “حرب البنية التحتية” إلى “استراتيجية الانسحاب”، أم أن المنطقة مقبلة على فصل أكثر دموية وتصعيداً.
