السودان يمر حاليا بأزمة معقدة ومتشابكة تتداخل فيها العديد من العوامل السياسية، العسكرية، الإنسانية، والاقتصادية، الأمر الذي أدى إلى تصاعد الاشتباكات وتدهور الأوضاع بشكل غير مسبوق في السنوات الأخيرة، خاصة خلال عام 2025م.
الوضع السياسي والتاريخي
تاريخ السودان حافل بالصراعات والنزاعات، إذ شهدت البلاد منذ استقلالها في عام 1956 العديد من الانقلابات العسكرية والحركات المسلحة، مما أثر سلبا على استقرارها الوطني، واجهت البلاد احتجاجات واسعة للمطالبة بالإصلاحات الديمقراطية في 2019، تمكن الشعب السوداني من الإطاحة بحكم البشير، وتشكيل سلطة انتقالية بقيادة مدنيين وعسكريين، سعيا لتحقيق انتقال سلمي نحو الديمقراطية، لكن تلك الفترة كانت مليئة بالمشاحنات والخلافات بين القوى المختلفة على إدارة المرحلة الانتقالية.
تصاعد الصراعات المسلحة
شهدت الفترة الأخيرة تصعيدا في النزاعات المسلحة، خاصة في إقليم دارفور، وجنوب كردفان، والنيل الأزرق. إلا أن الأزمة الكبرى بدأت تتفاقم مع بدء الاشتباكات في عام 2023م بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، والتي تطورت لتصبح حربا مفتوحة على نطاق واسع اندلعت المواجهات بشكل عنيف في جميع أنحاء البلاد، خاصة في العاصمة الخرطوم، حيث شهدت المدينة قصفا متبادلا واشتباكا عنيفا بين الطرفين، مما أدى إلى تدمير البنية التحتية وتوالت موجات النزوح الداخلي والخارجي.
الوضع الإنساني
النتيجة المباشرة لهذه الاشتباكات كانت كارثية على السكان المدنيين. تدهور الأمن أدى إلى نزوح أعداد كبيرة من سكان المدن والقرى، ووقوع ضحايا مدنيين من الأطفال والنساء وكبار السن، إضافة إلى تدمير المستشفيات والمدارس والبنية التحتية الأساسية. يعاني ملايين الأشخاص من نقص حاد في المواد الغذائية، والمياه الصالحة للشرب، والأدوية كما توجد أوضاع إنسانية مأساوية في المخيمات التي أُجبر السكان على النزوح إليها، حيث تتزايد معاناتهم يوما بعد يوم مع تردي الأوضاع، وانعدام إمكانية الوصول إلى الخدمات الضرورية.
دور المنابر الإقليمية والدولية
في ظل تصاعد الأزمة وعمق المأساة، برزت العديد من الجهود الدولية والإقليمية لاحتواء الأزمة، والتوسط بين الأطراف المتصارعة من بين هذه الجهود، أُطلق منبر جدة، الذي يُعنى بالعمل على وقف إطلاق النار، ودعم العملية السياسة والمساعدات الإنسانية، حيث يعتبر منصة هامة تضم قادة إقليميين ودوليين يعملون على التوسط بين الحكومة السودانية وقوات الدعم السريع، كذلك قام منبر المنامة بدور فعال في محاولة لإرساء تفاهمات وعقد لقاءات بين مختلف الأطراف، في إطار سعياً نحو الوصول إلى تسوية سلمية دائمة للأزمة.
أما بالنسبة للجهود الدولية، فهناك التفاعل من قبل الرباعية الدولية التي أمريكا والسعودية ومصر والامارات والتي وضعت مشاريع وخطط لدعم وضع الوساطة وتقديم المساعدات الإنسانية، فضلاً عن دعم العملية السياسية لحل الأزمة. كما أن هناك جهود إقليمية من قبل دول الجوار مثل مصر وإثيوبيا، حيث أبدت كل منها رغبتها في التوصل إلى حلول سلمية تضمن استقرار وأمن السودان، لكن الخلافات الإقليمية والأمنية ظلت عائقا كبيرا أمام تحقيق نتائج ملموسة.
خلاصة
بيئة الصراع في السودان معقدة، وتتسم بالتداخل بين العوامل الداخلية والإقليمية والدولية، مع تدهور مستمر في الظروف المعيشية والأمنية المبادرات الدولية والإقليمية لا زالت تحاول أن تساهم في الحد من التصعيد، وتوفير منابر للحوار والتفاهم، لكن حتى الآن، يظل الوضع في حالة متوترة، ويتطلب جهود مستمرة لتحقيق وقف دائم لإطلاق النار واستعادة الاستقرار، مع استمرار دعم المجتمع الدولي لمنع تفاقم الأزمة أكثر.
