د.مهند عثمان التوم احمد
dr.mohaned@alankabootmedia.com

في مشهد إقليمي متقلب تصطف مطالب طهران الأخيرة كحد أدنى لا تنازل فيه، امتداداً لتاريخ طويل من الاحتكاك والجغرافيا السياسية التي تعيد رسم حدود النفوذ والدلالة، فالحديث عن إخراج القوات الأميركية من الخليج الفارسي ومطالبة بدفع تعويضات عن الحرب، ليس مجرد لائحة شروط دبلوماسية بالمعنى الضيق بل بيان وجودي يحمل أبعاداً تاريخية وقانونية ورمزية، وينطوي على لعبة رسائل موجهة إلى الداخل والخارج على حد سواء.

أن المطالبة بسحب الوجود العسكري الأميركي من مياه الخليج ليست مجرد مطلب استراتيجي إنها استدعاء لسيادة وطنية وصياغة لخط مقاومة ضد تصورات التدخل الخارجي، في سياق خطاب إقليمي يرى في الوجود الأجنبي تهديداً للممرات والمصالح المحلية، تتحوّل عبارة (الخروج) إلى شعار مركب وتحرر سياسي وتأكيد سيادة وإعادة لمركزية القرار الإقليمي، بالنسبة لطهران يمثل انسحاب القوات الأجنبية كسرَ حلقةٍ في سلسلة من الإحساس بالهامشية والإكراه على الساحة الدولية ومحاولة لإعادة رسم قواعد التفاعل في محيط استراتيجي غني بالموارد ومفتوح على مضاعفات أمنية واقتصادية.

فمطلب التعويضات عن الحرب يتجاوز البعد المادي ليصبح أداة استعادية للعدالة التاريخية، التعويض هو لغة القانون الدولي وميزان الاعتراف بالضرر في السياق الإيراني فثمة بعدان متوازيان البعد الداخلي الذي يستهدف استعادة كرامة نالتها الخسائر البشرية والمادية، والبعد الخارجي الذي يطالب المجتمع الدولي بالاعتراف بمسؤوليات سياسات أدت إلى تبعات ممتدة، مطالبة التعويضات لا تقف فقط عند استرجاع خسائر ملموسة بل ترفع سقفاً أخلاقياً يطالب بتعويض صورة وتعويض موضع في السرد الوطني.

يقتضي التفريق بين المطالب كموقف تفاوضي ومطالب كخطّ أحمر قد تحمل هذه البنود طابعاً تفاوضياً يستخدم(بضم الياء)للوصول إلى توازن قوى إقليمي أو لاحتواء ضغوط داخلية عبر تحريك قضية وطنية موحدة، وفي الوقت نفسه قد تقرأ كخطوط حمراء غير قابلة للمس لدى قطاعات شعبية وسياسية ترى فيها ضرورة تاريخية، فالقدرة على ترجمة هذه المطالب إلى نتائج فعلية مرتبطة بعوامل متعددة التحالفات الدولية، القدرة الاقتصادية للطرفين، رقابة المجتمع الدولي ومرونة الخيارات الاستراتيجية الأميركية وحلفائها.

انعكاسات المطالب على الاستقرار الإقليمي تتوزع بين سيناريوهات متعددة انسحاب أميركي من دون آليات ضمان مشتركة قد يفتح فراغاً استراتيجياً، تدفع إليه قوى إقليمية لتملؤه ما قد يعيد ترسيم توازنات جديدة قد لا تكون أقل اضطراباً، بالمقابل مفاوضات تؤسس لإطار أمني إقليمي تشارك فيه الدول المطلة على الخليج قد تتحول إلى فرصة لإرساء أسس تعاون يخفف منطق الصراع أما مسألة التعويضات فحين تعمل عبر قنوات قضائية أو تفاوضية قد توفر سابقة للتعامل مع تبعات الحروب في المنطقة، لكن حين تبقى شعار بلا آليات تنفيذية فإنها قد تصبح محركاً للتوتر الداخلي والخارجي على حد سواء.

بقراءة رسائل الداخل والخارج تكشف عن لعبة مبتكرة داخلياً تجسد المطالب أرضية خطابية توحد قواعد الدعم السياسي وتدلل على القدرة على مواجهة الهيمنة الخارجية،خارجياً ترسل طهران إشارة مفادها أنها لن توافق على ترتيبات أمنية جديدة دون الاعتراف بمطالبها التاريخية والاقتصادية. هذه الرسائل تأتي مرفقة بحاجة فعلية لإطار تفاوضي يُفصل بين المكاسب الرمزية وضرورات التطبيق العملي.

فعندما ترفع مطالب مثل إخراج الولايات المتحدة من الخليج الفارسي ومطالب التعويضات فإنها تتداخل كقضايا سيادية وقانونية ورمزية، بتحويل هذه المطالب إلى واقع يتطلب آليات تفاوضية قوية توازنات إقليمية ودولية وإرادة تحويل الشعارات إلى ترتيبات قابلة للتطبيق، وفي غياب ذلك ستبقى هذه المطالب سلاحاً خطابياً يكتب على واجهة السياسة بماء الرمزية ويعيد تشكيل المشهد وفق حسابات مصالح تتغير بتغير الأزمنة والرهانات.