كل مرة الحرب تطول، نفس القصة بتتكرر: نبحث عن شماعة خارجية نعلق عليها الفشل، ونتهرب من مواجهة الحقيقة الواضحة قدامنا.
الحديث المتكرر عن “الحسم العسكري” وتحميل المسؤولية الكاملة للإمارات أو لأي طرف خارجي، هو خطاب ناقص، ومضلل، وفيه قدر كبير من الهروب من مواجهة الحقيقة.

نعم، في تدخلات خارجية. نعم، الإمارات وغيرها لعبوا أدوار في هذه الحرب. لكن السؤال الجاد: هل الحرب دي قامت بسبب الإمارات؟ الإجابة ببساطة: لا.

الحرب دي قامت لأن الدولة السودانية نفسها مختلة من الداخل.
الناس البتتكلم اليوم عن “التدخل الخارجي” وكانو اكتشاف جديد، كتير منهم كانوا جزء من نفس الشبكة الإقليمية:

قيادات عسكرية وسياسية بنت علاقاتها على تحالفات إقليمية حسب المصلحة

الحديث اليوم عن دور الإمارات وكأنه انحراف طارئ في المشهد، هو تجاهل متعمد للتاريخ القريب. الحقيقة أن نفس القوى التي ترفع صوتها الآن ضد “التدخل الإماراتي”، كانت لسنوات جزءاً من هذا المسار نفسه. حركات مسلحة سودانية اشتغلت في ليبيا تحت غطاء وتحالفات إقليمية، وكانت عملياً ضمن ترتيبات تديرها الإمارات بشكل مباشر أو غير مباشر. تم تسليح عناصر منها، تدريبها، تمويلها، بل وإعادة تشكيل بعض وحداتها عسكرياً، من حيث الرتب والتنظيم والجاهزية القتالية. الدعم لم يكن رمزياً أو محدوداً، بل كان دعماً كاملاً: سلاح، مال، لوجستيات، وتحريك ضمن أجندة إقليمية واضحة. ذلك كان واقعاً معروفاً، ولم يكن محل رفض وقتها، بل كان يُبرر سياسياً وعسكرياً. لذلك، من غير المقبول اليوم تقديم الإمارات كعامل طارئ أو وحيد في هذه الحرب، بينما نفس الأطراف كانت جزءاً من نفس الشبكة عندما كان ذلك يخدم مصالحها. المشكلة ليست في “من تدخل اليوم”، بل في بنية سياسية وعسكرية سودانية ظلت لعقود مفتوحة بالكامل أمام هذا النوع من التوظيف الخارجي.

ده كله كان مقبول وقتها، بل ومبرر. لكن اليوم فجأة بقى “مؤامرة خارجية”؟

الحقيقة الواضحة: السودان ما ضحية فقط، السودان أيضاً جزء من اللعبة.

اختزال الأزمة في “الإمارات تدعم الدعم السريع” هو تبسيط مخل، لأن:

الدعم السريع ما نشأ في أبوظبي، نشأ داخل الدولة السودانية

تعدد الجيوش ما فرضته دولة خارجية، بل صنعته النخب السودانية

انهيار المؤسسة العسكرية ما سببه الخارج، بل صراعات داخلية على السلطة

السؤال الحقيقي الذي يتم الهروب منه عمداً: لماذا فشلت الدولة السودانية في أن تكون دولة أصلاً؟

لماذا ظل السلاح هو الوسيلة الأساسية للوصول للسلطة؟

لماذا كل أزمة سياسية تتحول إلى حرب؟

لماذا لم يتم بناء جيش قومي مهني واحد؟

لماذا سمح بوجود مليشيات موازية داخل الدولة نفسها؟

بدون إلاجابة على الأسئلة دي، أي كلام عن “الحسم العسكري” هو مجرد وهم سياسي.

خلينا نكون واضحين: لا الجيش قادر يحسم، ولا الدعم السريع قادر يحسم.

الواقع الحالي هو توازن ضعف، وليس توازن قوة. وأي طرف يتحدث عن الحسم، إما يبيع الوهم أو يبرر استمرار الحرب.

والأخطر من كده: الخطاب الذي يركز فقط على “العدو الخارجي” يخدم استمرار الحرب، لأنه:

يعفي الداخل من المسؤولية

يمنع أي مراجعة حقيقية

ويخلق مبرر لاستمرار القتال بلا أفق

نعم، الحرب دي “تدوّلت”. لكنها لم تبدأ دولية… بدأت سودانية خالصة.

والحل لن يكون إقليمياً أو عسكرياً. الحل يبدأ من اعتراف صريح: هناك خلل هيكلي عميق في الدولة السودانية نفسها.

بدون الاعتراف ده، وبدون معالجة جذور الأزمة: أي حرب حتنتهي… ستبدأ بعدها حرب أخرى.

نفس الأسباب، نفس الأخطاء، نفس النتيجة.