⭕️ شهادة مهنية وفنية على الانهيار الكامل لقطاع النفط السوداني: مسؤوليات ضائعة، وحقوق مهدورة، وشريك أجنبي ينسحب بلا التزامات..
✒️ كتب م. محمد عبدالباسط
الخطاب الصادر من CNODC/CNPC بشأن الدعوة لإنهاء اتفاقيات الـ PSA والـ COPA في Block 6 قبل نهاية 2025 ليس خطاباً روتينياً، بل وثيقة تشير بوضوح إلى انهيار شامل في البيئة التشغيلية لقطاع النفط السوداني. لغة الخطاب تحمل دلالات تقنية دقيقة: “Force Majeure”، “Unattainable Environment”، “Financial Unsustainability” — وهي عبارات لا تُستخدم إلا عندما تكون البنية المؤسسية للدولة قد خرجت فعلياً عن نطاق القدرة التشغيلية.
في الواقع، ما ورد في الخطاب لا يمثل سوى الجزء العلوي من جبل الجليد. فالإدارة الصينية نفسها نفذت في نهاية يونيو الماضي أكبر عملية تقليص قسري للعمالة في تاريخ الشراكة، بفصل أكثر من 60% من الكوادر الوطنية، بينهم مهندسون وفنيون من أرفع الكفاءات. تم تسليم مستحقات نهاية الخدمة بتأخير واضح، وتم تجاهل الاستحقاقات القانونية الخاصة بالفصل التعسفي، في خرق مباشر لقانون العمل السوداني.
ومع ذلك، لم يطرق العمال أبواب المحاكم ليس رضاً أو قبولاً، بل لأنهم يدركون تماماً أن المؤسسات القانونية في ظل الحرب فقدت قدرتها على إنصاف أبسط الحقوق.
هذه الخطوة لم تكن مجرد قرار إداري، بل مؤشر هندسي اقتصادي خطير: عندما يقوم الشريك الأجنبي بتصفية العنصر البشري الوطني، فهذا يعني أن قرار الخروج كان قيد الإعداد منذ أشهر، وأن القطاع أصبح في نظر المستثمر “Non-Viable Asset”.
على المستوى التقني، الانهيار الذي يصفه الخطاب لم ينتج عن ضعف في الاحتياطيات أو قصور فني في المكامن، بل عن انهيار أمني ولوجستي شامل فرضته الحرب:
• فقدان القدرة على تشغيل محطات المعالجة والضخ.
• انعدام الوصول الآمن للآبار.
• تدمير سلاسل الإمداد وقطع الغيار.
• التخريب والنهب الذي طال حتى المنشآت ذات الحساسية العالية.
هذه ليست ظروف تشغيل. هذا تفكيك فعلي لقطاع كامل.
وللمقارنة الموضوعية، لا بد من التذكير بأن هذا القطاع نفسه شهد قبل الانقلاب مرحلة صعود واضحة في فترة الحكم المدني، خصوصاً تحت إدارة وكيل وزارة النفط المهندس وليد الأسد والمهندس أيمن أبوالجوخ.
ففي تلك المرحلة، تم عقد تفاهمات مع نفس الشريك الصيني بإعادة تأهيل للآبار المتوقفة، وضُخّ استثمارات لصيانة المحطات ورفع الإنتاج. كانت مشاريع الـ Well Intervention، والـ Workover، تمضي بخطة واضحة، وكان هدف زيادة الإنتاج من Block 6 قابلاً للتحقق بالأرقام، لا بالشعارات.
أما اليوم!!
الشريك نفسه يؤكد في الوثيقة الحالية أن العودة إلى الإنتاج “غير ممكنة ما لم تتوقف العمليات العسكرية”، وأن الاستمرار المالي “غير قابل للتحمل”، وأن الاتفاقيات يجب إنهاؤها قبل 31 ديسمبر 2025.
هذه ليست مجرد لغة دبلوماسية؛ إنها إعلان فني اقتصادي بأن قطاع النفط السوداني أصبح خارج الخدمة بسبب الحرب، وأنه يواجه خطر الانهيار الطويل إذا لم يبدأ إيقاف شامل للعمليات العسكرية.
ومن موقعي كمهندس عمل في القطاع لأكثر من 15 عاماً، وكشخص قاد أول جسم نقابي شرعي داخل شركة PetroEnergy، أقول بثقة تقنية كاملة:
الحرب لم توقف الإنتاج فقط؛ بل ضربت قلب القطاع —كوادره الوطنية، منشآته، بنيته اللوجستية، وسلامته الاستثمارية. وإذا لم تتوقف، فلن يكون هناك قطاع يعاد بناؤه أصلاً.
ما ورد في الخطاب شهادة دولية موثقة على حجم الكارثة. وهي دعوة مباشرة للتحرك:
ليس لإنقاذ قطاع النفط فحسب، بل لإنقاذ الدولة نفسها من الانهيار المؤسسي الكامل.
إيقاف الحرب اليوم لم يعد خياراً سياسياً، بل ضرورة وطنية وتقنية واستراتيجية. وإذا لم يتحرك الجميع مهنيين، مجتمع مدني، قوى سياسية، وقوى ضغط وطنية فإن فقدان الاستثمار النفطي لن يكون سوى البداية.
إن استمرار الحرب يعني خسارة ما تبقى من مؤسسات الدولة، وتحويل السودان إلى بيئة طاردة لكل استثمار، وهجرة للكفاءات، وتآكل للثروات، وانعدام لأي احتمال لعودة القطاع الحيوي الذي كان يمثل أعمدة الاقتصاد السوداني.
لا مخرج للسودان سوى الاصطفاف الشعبي الواعي ضد الحرب، ورفع صوت الوعي لإيقافها فوراً، واستعادة الدولة المدنية التي تمكّن من إعادة بناء القطاع النفطي وكافة مؤسسات الدولة على أسس مهنية كما كان يحدث في الفترة التي سبقت الانقلاب.
هذا الخطاب يجب أن يُعامل كدليل إضافي ليس على ضعف السودان بل على حجم الكارثة التي صنعتها الحرب، وعلى ضرورة إنهائها لإنقاذ المستقبل قبل أن يتحول الانهيار إلى وضع دائم.

