د.مهند عثمان التوم
dr.mohaned@alankabootmedia.com
في وقت يعاني السودان من مشكلات مركبة تفوق حدود التصور يطرح تشكيل البرلمان (المجلس الوطني) من قبل الأحزاب بالتعيين سؤالاً هل يعقل أن تصرف موارد الدولة على هيكل تشريعي لا يحمل أي مشروع قانوني أو شرعي؟ إن القلق المتزايد حول هذه الخطوة يُجسد حالة الفوضى السياسية التي نعيشها اليوم، وتؤكد عدم نضج الأحزاب السياسية التي تسعى للعودة عبر بوابة قبة التشريع بعد أن وجدت نفسها خارج مسارات الحكومة التنفيذية التي تسيدت عليها قوة اتفاقية جوبا.
البرلمان أن تم تكوينه يمثل تجسيد لفشل كبير في تحقيق التحول الديمقراطي لفقدانه لأي شرعية يتطلبها أي جهاز تشريعي من اصوات واختيارات الشعب فما نراه اليوم هو محاولة لتجميع أفراد لا يمثلون إرادة الشعب وبالتالي لا يمكنهم اتخاذ قرارات تعكس تطلعات المواطنين أو طموحاتهم، فالشعب بحاجة إلى نواب يتسمون بالمصداقية والشرعية يختارهم عبر صناديق الشعب وليس إلى حلفاء معينين بقرار سيادي وفقاً لاتفاق حفنة لا تمثل إقلية من الشعب.
الشعب السوداني يبحث عن الدور الأساسي الذي يمكن أن يلعبه البرلمان في مساءلة السلطة التنفيذية، وقصة آيات وسلمى ليست ببعيدة والايجارات الدولارية حتي الآن لا يعرف الشعب حقيقتها، فهل سيملك المعين الجرأة لمساءلة الشخص الذي عينه أو أثر في اختياره، وهو ما يظهر الفجوة العميقة بين ما يفترض أن يكون وما هو قائم بالفعل.
تتجلى مسألة أخرى إشكالية الشرعية في الواقع الحالي إذ تعد الاحزاب والقوى التي تسعى لتكوين البرلمان بلا أي سند شعبي أو دستوري أو قانوني مما يعد دليلاً قاطعاً على عدم جدوى هذا التوجه، فمصادر الشرعية والمشروعية معروفة لكل المعنيين ويفترض أن تستند أي حكومة إلى مبادئ واضحة تعكس إرادة الشعب لا جماعات بلا تأثير خارج دورها، علاوة على ذلك الواقع يقول أن الوثيقة الدستورية التي كانت تعتبر الأساس القانوني لتنظيم الدولة قد انتهت صلاحيتها رغم التعديلات مما يجعل انشاء اي كيان تشريعي غير قانوني وإن استغلال العلاقات مع السلطة لتنفيذ قرارات تعيين البرلمان يعد انتهاكًا صارخًا لمبادئ الحكم الرشيد، فالجهاز التنفيذي واجب يستثنى من ذلك لكن التشريع مستحب في الوقت الراهن.
تكوين البرلمان الآن في وقت تعاني فيه البلاد من اقتصاد حرب ونقص حاد في الموارد يمثل إهدار فاضح للموارد، بالنظر إلى الوضع الراهن من الأزمات الإنسانية والاجتماعية، يثير هذا التوجه الكثير من الجدل حول أولويات الحكومة الحالية فبدلاً من استثمار هذه الأموال في تحسين الظروف المعيشية للمواطنين يتم توجيهها إلى مخصصات وامتيازات لهذا الجسم التشريعي المتسرب.
الشعب ينتظر من قياداته إنقاذ ما يمكن إنقاذه وتقديم حلول حقيقية لمشاكله بدلاً من إغراقه بالمزيد من التعقيدات، فليست الموارد من حق أي مجموعة أو فئة بل هي حق لكل فرد في هذا الوطن يجب أن نكون جميعاً مسؤولين عن تقديم الحلول والمقترحات التي تعزز من فرص الاستقرار والتنمية، نعم دعوات المواطنين تتعالى من أجل برلمان يمثلهم ونظام ديمقراطي يتجاوب مع احتياجاتهم ويعكس تطلعاتهم لمستقبل أفضل لكن من صلبه لا صلب أصحاب المصلحة، من سيأخذ بالأصوات المسؤولة في الاعتبار معاناة الشعب المغلوب على أمره وتحقق من خلال شرعيات حقيقية رؤية تستحقها الأمة السودانية.
