منذ اندلاع شرارة الصراع في السودان، كانت الصورة النمطية للمعركة تتمحور حول “حرب مصفحات التويوتا” ومعارك العربات رباعية الدفع التي تعصف بالمناطق الحضرية والسهول. لكن الواقع الميداني اليوم يشهد تحولاً جذرياً ومثيراً للقلق: لقد دخلت الحرب مرحلة جديدة يمكن وصفها بـ “حرب المسيّرات”. هذه الطائرات المسلحة، التي تزن بعضها أقل من بضعة كيلوغرامات، باتت قادرة على اختراق سماء البلاد والوصول إلى أي بقعة، زعزعة للاستقرار وناشرة للرعب، ومُغيّرة لطبيعة الصراع بشكل لا رجعة فيه.

انتشار واسع وتأثير شامل:

لم تعد المسيّرات حكراً على جبهات محددة أو مناطق قتالية ساخنة. فمن أقصى الشرق في بورتسودان، مروراً بمدن الوسط والجنوب مثل كوستي وسنار والدمازين، وصولاً إلى أقصى الغرب في الجنينة الحدودية والفاشر ونيالا، وشمالاً في مروي والدبة وعطبرة وشندي، لم تسلم معظم المدن السودانية من قذائفها أو هديرها المخيف. هذا الانتشار الواسع يؤكد أن طرفي النزاع قد حصلا على ترسانة كبيرة ومتنوعة من هذه المسيّرات، محولين بذلك سماء البلاد إلى ساحة معارك جوية شبه يومية، تضاف إلى تعقيدات الصراع القائم على الأرض.

استخدام مكثف وإنكار للخسائر المدنية:

يستخدم طرفا الحرب المسيّرات بكثافة في المعارك المباشرة، لتوفير غطاء جوي للقوات البرية أو لضرب تجمعات العدو. كما تُستخدم بشكل متزايد في شن هجمات على المنشآت العسكرية والمدنية على حد سواء. الغموض يكتنف مصادر هذه المسيّرات، لكن المؤشرات تدل على شبكات توريد معقدة وغامضة سمحت بتدفق أعداد هائلة منها، الأمر الذي ألقى بظلاله على قدرة المجتمع الدولي على فرض حظر سلاح فعال.

وعلى الرغم من وضوح الأدلة، دأب طرفا الحرب على إنكار الخسائر المدنية التي تسببها هجمات المسيّرات، ويزعمان باستمرار أنها لا تستهدف المواطنين الأبرياء أو الأسواق والأعيان المدنية. إلا أن التقارير الشفاهية التي تصدر عن الموالين لهما، وشهادات الشهود العيان التي تنتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي واللقاءات الصحفية، تنقل عادة أصوات الانفجارات المتتالية وتصاعد أعمدة الدخان من مناطق مدنية وعسكرية متجاورة، لتفضح التضارب بين الروايات الرسمية والواقع الميداني المؤلم.

تداعيات الحرب الجوية على المدنيين:

إن التحول إلى حرب المسيّرات يفاقم المعاناة الإنسانية بشكل لم يسبق له مثيل. فالتهديد الجوي المستمر يفرض حالة من الرعب النفسي الدائم على السكان. غياب السيطرة على المجال الجوي وعدم وجود ملاجئ فعالة يعني أن المدنيين يعيشون تحت رحمة القنابل الطائرة، مما يعطل الحياة اليومية، ويحد من حركة السكان، ويدمر سبل عيشهم. كما أن صعوبة تحديد الأهداف العسكرية بدقة من الجو، خاصة مع استخدام مسيّرات بدائية أو غير دقيقة، يزيد من احتمالية وقوع إصابات في صفوف المدنيين وتدمير البنى التحتية الحيوية.

آفاق المستقبل وتحديات السلام:

إن دخول المسيّرات هذه المرحلة الحاسمة في الصراع السوداني يعقد من آفاق الحل السلمي. هذه التكنولوجيا الجديدة توفر لأطراف النزاع قدرة على إدامة القتال والوصول إلى مناطق لم يكن بالإمكان الوصول إليها بسهولة في السابق، مما يقلل من ضغط الحاجة إلى التفاوض. وبات من الضروري أن يولي المجتمع الدولي اهتماماً خاصاً لهذه الظاهرة، ليس فقط للحد من تدفق المسيّرات إلى السودان، بل أيضاً لوضع آليات لمراقبة استخدامها وضمان التزام أطراف النزاع بالقانون الإنساني الدولي في هذا النوع من الحروب الجديدة. فالمستقبل في السودان، للأسف، يبدو وكأنه سيكتب بسحب الدخان المتصاعدة من تحت أجنحة المسيّرات.