منذ اندلاع موجة الاحتجاجات والإطاحة بنظام البشير (2019) تداخلت مصالح ومرجعيات مسلحة وسياسية في السودان، مما أدى إلى حالة من التشظّي العنيف. المشهد الراهن يشبه نفقًا مظلمًا تتداخل فيه صراعات محلية وإقليمية وأجندات قومية، مع تباين واضح في الأهداف والأساليب بين الفصائل. هذا التحقيق يستعرض أربع ساحات رئيسية للحرب والمشاريع السياسية، ويقارن بين رؤاها وتبعاتها على أمن واستقرار السودان.

1. استمرار حركة جيش تحرير السودان (جناح عبدالواحد) في دارفور
– الخلفية: جناح عبدالواحد طوّر شبكة تموضع عسكري واجتماعي في مناطق واسعة من دارفور منذ سنوات، مستندًا إلى مطالب هوية، ثأرية، ودعوات للعدالة في توزيع السلطة والثروة.
– الوضع الراهن: تواصل الحركة عمليات مسلحة وهجمات متقطعة ضد القوات الحكومية والميليشيات الموالية، مع اعتماد على قواعد شعبية في بعض المناطق ونمط حرب عصابات.
– أهداف الحركة: مزيج من المطالب الحقوقية، الحكم الذاتي المحلي، ومشروع سياسي مستقل عن مركز السلطة في الخرطوم.
– التأثير الإنساني: نزوح مستمر، تدهور الخدمات وإعاقة عمليات الإغاثة. المناطق المتأثرة تشهد انقسامًا قبليًا وعسكريًا يزيد من هشاشة الوضع الأمني.

2. استمرار الحركة الشعبية — جناح الحلو في ولاية جنوب كردفان
– الخلفية: حركة الحلو (الحركة الشعبية — شمال جناح عبدالعزيز الحلو) ظلّ نشاطها مركّزًا في جبال النوبا وجنوب كردفان منذ عقود، مطالبًا بحقوق سياسية وثقافية وإدارة مرعية محلية.
– الوضع الحالي: عمليات عسكرية متواصلة محدودة النطاق لكنها استراتيجية، مع تواصل مفاوضات متقطعة مع الوسطاء الإقليميين والدوليين.
– مشروع الحركة: دمج طموحات قومية لمناطق الهامش السوداني (النوبي والكردفاني) في إطار تفاوضي وسياسي؛ معتمدة على شعبية محلية وبُعد قومي – سياسي أكثر منه قبليًا بالمقارنة مع بعض فصائل دارفور.
– تأثيرها: استمرار النزاع يثقل كاهل المدنيين في جنوب كردفان ويعوق إعادة الإعمار والعودة من النزوح.

3. اندلاع تمرد الدعم السريع وانحصاره في كردفان ودارفور
– الخلفية: قوات الدعم السريع (سابقًا جزء من الأجهزة النظامية والميليشيات) دخلت المشهد السياسي كقوة منظّمة ذات أجندة عسكرية وسياسية.
– اندلاع التمرد: تبلور صراع داخلي واحتكاكات متصاعدة أدت إلى تحرّك وحدات من الدعم السريع خارج محاورها التقليدية، مع مواجهات في كردفان ودوائر في دارفور.
– انحصار التمرد: رغم بداية واسعة، تراجعت القدرة على الانتشار الأعمّ بفعل حشد عسكري متبادل، مقاومة محلية، وضغوط سياسية ودبلوماسية. بقيت نقاط الصراع مركزة في مناطق استراتيجية.
– دلالات الانحسار: يشير إلى قيود لوجستية وسياسية على قدرة الدعم السريع على تحويل التمرد إلى مشروع إقليمي شامل، لكنه يُبقي على تهديد دائم لعملية الاستقرار.

4. انفراد جيش تحرير السودان بمشروع دمج مشروع الحركة الشعبية جناح الحلو والدعم السريع
– الطرح: يبدو أن جناح عبدالواحد يسعى لصيغة مميزة — مشروع يهدف إلى استقطاب عناصر من حركات أخرى أو إيجاد أرضية لتوافق تكتيكي بين الحركات في دارفور، جنوب كردفان، وربما أجزاء من كردفان.
– عناصر المشروع: قد يستند إلى خطاب مشترك حول اللامركزية، العدالة الانتقالية، وتوزيع الثروة، مع تقديم بدائل عسكرية وسياسية لتنسيق الصفوف ضد الخرطوم أو أخرى إقليمية.
– فرص وقيود: نجاح مثل هذا المشروع يتطلب مصالحة بين أجندات قومية (الحركة الشعبية)، مطالب إقليمية/قبلية (دارفور)، وأهداف مؤسسية/عسكرية (الدعم السريع) — وهو تحدٍّ كبير بسبب اختلاف المراجع الأيديولوجية، المصالح الميدانية، والتنافس على السلطة.

5. مقارنة بين مشاريع: جيش تحرير السودان — الحركة الشعبية (جناح الحلو) — الدعم السريع
– الخلفيات والأصول:
  – جيش تحرير السودان (عبدالواحد): جذور في احتجاجات دارفور، تركيز على العدالة الاجتماعية والهوية المحلية، أساليب حرب عصابات.
  – الحركة الشعبية (جناح الحلو): جذور قومي-قَبَلي في النوبة وجنوب كردفان، أفق سياسي يربط مطالب محلية بمشروع تفاوضي أوسع.
  – الدعم السريع: قوة شبه نظامية تحولت لقوة سياسية وعسكرية كبرى، لديها بنية عسكرية قوية وارتباطات داخل الدولة ومؤسساتها.
– الأهداف الإستراتيجية:
  – عبدالواحد: حكم محلي أكبر، مطالب تصحيحية مركّزة على دارفور.
  – الحلو: حكم ذاتي وثقافي لمناطق النوبة وجنوب كردفان، واحتفاظ بجزء من المشروع السياسي المتصل بتحالفات جنوبية سابقة.
  – الدعم السريع: توسيع النفوذ السياسي والعسكري داخل الدولة، ومساومة على السلطة سواء بالضغط العسكري أو بتدخلات سياسية.
– الوسائل والتكتيكات:
  – عبدالواحد: حرب عصابات، حشد قبلي/مجتمعي، استهداف نقاط ضعف الدولة.
  – الحلو: مزيج بين عسكرية ومفاوضات، استثمار التضاريس (جبال النوبة).
  – الدعم السريع: عمليات شبه منظّمة، قدرة نقل سريعة، تحكم في أجزاء من مرافق الدولة سابقًا.
– الشرعية والقبول الدولي:
  – الحركة الشعبية وجناح عبدالواحد يحظيان بقدر من التعاطف الدولي بوصفهما حركات مقاومة لهامش إقصائي، لكن تُثار قضايا حول تكتيكاته.
  – الدعم السريع يواجه ضغطًا دوليًا بسبب اتّهامات بارتكاب انتهاكات وارتباطه ببنى الحكم السابقة، مع اعتبارات أوسع تتعلق بدوره في الأمن الإقليمي.

6. الآثار على الاستقرار الوطني والإقليمي
– تفتيت النزاعات: تعدد المشاريع يقوّض إمكانات التسوية الوطنية الشاملة، ويطيل أمد العنف.
– تهديد على الممرات الإنسانية: النزوح، انخفاض الوصول للمساعدات، وتفاقم أزمة حقوق الإنسان.
– مخاطرة تصاعد النزاعات: أي تحالفات أو تفككات جديدة قد تؤدي إلى توسيع رقعة النزاع لتشمل ولايات ومناطق حدودية.
– دور الفاعلين الإقليميين: دول الجوار والوسطاء الإقليميين يمكن أن تكون وقودًا أو ميسّراً للتسوية — تبقى أولوياتهم متباينة بين مصلحة الاستقرار وتأمين حدودهم.

خاتمة واستشراف
السودان يمر بمرحلة مفصلية. النفق الذي يعيشه اليوم ليس مجرد اشتباكات مسلحة منفصلة، بل هو مزيج من مشاريع متقاطعة: مشروع مقاومة محلية في دارفور، مشروع قومياتي في جنوب كردفان، ومشروع قوة مسلحة تحاول تثبيت نفوذها. أي حل مستدام يتطلب، على الأقل، أربعة عناصر متزامنة: وقفًا دائمًا وموثوقًا للأعمال العدائية، إطارًا تفاوضيًا واسعًا يشمل كل الفواعل، ضمانات تنفيذ عادلة لإعادة توزيع السلطة والثروة، وبرامج شاملة للإنعاش الإنساني والاقتصادي.