د.مهند عثمان التوم
لم تُبنَ صورة الحركة الإسلامية كـ«عدو» في وعي جزء كبير من السودانيين بوصفها مجرد انفعال غاضب بعد سقوط نظام الإنقاذ، بل كعملية أقرب إلى «صناعة مُحكَمة» استخدمت فيها أدوات السياسة والإعلام والدعاية الحديثة، واستندت إلى جرحٍ تاريخي حقيقي، ثم أعيدت هندسته وسرده حتى صار جزءاً من العقل الجمعي.
1. الجرح التاريخي مادة خام للهندسة فتجربة حكم الإنقاذ (1989–2019) وفّرت لقوى الحرية والتغيير مادة عاطفية كثيفة جاهزة للاستخدام:
– انقلاب على نظام ديمقراطي.
– حروب أهلية، قمع أمني، بيوت أشباح، تشريد.
– تدهور اقتصادي، فساد وتمكين، عزلة دولية.
هذه الوقائع كوّنت «غصّة تاريخية» في وجدان قطاعات واسعة من الشعب. لم تبدأ قوى الحرية والتغيير من فراغ، بل من هذا المخزون الجاهز من الألم والغضب، ثم سعت لإعادة تنظيمه في قالب سردي محدد: ليس فقط «نظام الإنقاذ» هو المشكلة، بل «الحركة الإسلامية» نفسها كفكرة وشبكة ورجال.
2. من تجربة سياسية إلى «إطار أخلاقي شامل»
هنا بدأت عملية «الهندسة»:
– ربط كل مظاهر القهر والفساد والتخلف باسم واحد: الحركة الإسلامية.
– محو الفروق بين الإسلاميين كأفراد، والحركة كتنظيم، والدين كمرجعية؛ ليُقدَّم الكل في إطار واحد مُجرَّم.
– استدعاء الوقائع المؤلمة (الحرب، التعذيب، الفصل للصالح العام…) في سرديات إعلامية متكررة، مع تثبيت «الإسلاميين» كفاعل أوحد في كل قصة.
بهذه الطريقة تحوّل الصراع من نزاع سياسي قابل للتفكيك إلى «قضية أخلاقية» حادّة: الخير في طرف «الثورة» و«الحرية والتغيير»، والشر مجسّد في «الحركة الإسلامية». ومع التكرار، تصبح هذه الزاوية الأخلاقية حقيقة مفترضة لا تحتاج إلى برهان.
3. أدوات الصناعة: من الإعلام التقليدي إلى الفضاء الرقمي
لم يكن هذا مجرد كلام مبعثر، بل عملية تستفيد من أدوات حديثة:
1. الإعلام والقنوات الرسمية/شبه الرسمية
– برامج حوارية وتقارير تستخدم لغة تحقيرية ثابتة عند ذكر الإسلاميين.
– استضافة «خبراء» و«محللين» مكرّرين، يحملون نفس الرسالة: ربط كل أزمة بالإسلاميين.
– تغطيات انتقائية تُضخّم أخطاء أي شخص يُتهم بقربه من الإسلاميين، حتى لو لم يكن مسؤولاً عن القرار.
2. إعادة تعريف رغبات الجمهور ومخاوفه
– تقديم «المرحلة الانتقالية» بوصفها معركة بقاء:
إمّا دولة مدنية/ثورة، أو عودة الإسلاميين.
– كل خوف من الفوضى أو الحرب الأهلية يُعاد توجيهه تلقائياً:
«السبب هو الإسلاميون، والحل هو إقصاؤهم بالكامل».
3. الرموز واللغة
– تحويل بعض الألفاظ إلى إشارات مشحونة: (كيزان، فلول، دولة التمكين…).
– هذه المفردات تُستخدم بكثافة حتى يغدو مجرد وصف شخص بـ«كيزاني» كافياً لإدانته أخلاقياً في نظر الجمهور.
4. السلطة والمعرفة: «الخبير» كغطاء للسرد
علم النفس التجريبي يبيّن أن الناس تميل للانصياع لمن يُمنح صفات السلطة أو المرجعية، في الحالة السودانية استُخدم غطاء:
– «الخبير الاقتصادي» الذي يربط كل انهيار بسنوات حكم الإسلاميين فقط.
– «الناشط» أو «قائد الرأي» الذي يتحدث باسم الثورة ومطالب الشارع.
– «الصحيفة الكبرى» أو المنصة الإخبارية التي تبدو مستقلة لكنها تعيد إنتاج نفس الإطار السردي.
ما إن يُلبَّس الخطاب ثوب السلطة (إعلام، خبير، قائد ثوري)، يصبح تبنّي الملايين له أسهل، دون مراجعة نقدية وهكذا تنتشر مشاعر الكراهية تجاه كيان كامل (الحركة الإسلامية) حتى لدى من لم يلتقِ بأي إسلامي في حياته.
5. العصر الرقمي: تسريع الكراهية وتثبيتها
مع السوشيال ميديا تحوّلت هذه الهندسة إلى ماكينة أسرع:
– الخوارزميات تكافئ الغضب والخوف:
المنشور الذي يهاجم «الفلول» أو يشيطن الإسلاميين يحصد تعليقات ومشاركات أكثر، فيُدفَع للأعلى ويصل لآلاف آخرين.
– الحسابات المنسّقة:
– تكرار نفس الوسوم (#لا_لعودة_الكيزان، …)
– نشر نفس القصص والتعليقات بصيغ متشابهة، حتى يبدو أن «الرأي العام كله» متفق.
– مصانع المحتوى:
مقاطع قصيرة، صور ساخرة، قصص انتقائية، تُصمَّم لتحريك الغضب والاحتقار، لا لشرح الوقائع المعقدة، بمرور الوقت تصبح هذه البيئة الرقمية «حاضنة» لإعادة إنتاج الكراهية بصورة آلية: أي صوت يدعو للتفريق بين النقد السياسي والنفي الوجودي يُتهم فوراً بالمساومة أو التواطؤ مع «الكيزان».
6. من الدعاية إلى برمجة الوعي
النتيجة: إنسان لم يقرأ برنامج الحركة الإسلامية، ولم يختبر أفرادها عن قرب، قد يحمل في صدره كراهية راسخة لهم، كأنها حقيقة فطرية.
هذه الكراهية ليست وهماً كاملاً؛ فهي تستند إلى وقائع مؤلمة لكنها تحوّلت من نقد مسؤول لتجربة حكم معيّنة، إلى «عداوة مبرمجة» صُنعت عبر:
– اختيار جرح عاطفي حقيقي (تجربة الإنقاذ).
– بناء إطار أخلاقي صارم يربط كل سوء بالحركة الإسلامية.
– تسليط إعلام وخبراء ومنصات رقمية على هذا الإطار.
– استثمار الخوف والغضب حتى يغدو رفض الإسلاميين جزءاً من «هوية ثورية» لا تُناقَش.
7. وعيٌ يكسر الحلقة
الانتباه إلى أن «العدو في رأسك» قد تمّت هندسته لا يعني تبرئة الحركة الإسلامية من أخطائها أو تلميع تجربتها؛ بل يعني:
– التمييز بين نقد التجربة السياسية، وبين شيطنة كل من ينتسب إلى تيار فكري.
– التحرر من برمجة الكراهية التي تخدم مشاريع سياسية آنية، ثم تترك المجتمع منقسماً ممزقاً.
– إعادة طرح السؤال:
هل ما أعتقده يقيناً عن هذا «العدو» هو خلاصة بحثي وتجربتي، أم حصيلة ماكينة دعاية اشتغلت عليّ لسنوات؟
في السياق السوداني، لن يخرج البلد من دائرة الانتقام والانقسام ما لم يُعاد بناء الوعي على أساس نقدي مستقل، يراجع ليس فقط أفعال الحركة الإسلامية، بل أيضاً أساليب خصومها في صناعة صورتها كـ«عدو مطلق» داخل العقل الجمعي.
