على طول الشريط الحدودي بين الجزائر والمغرب، لا حرب معلنة ولا سلم مكتمل. صمت ثقيل يلفّ المنطقة، لكن ما يجري في العمق لا يُدار بمنطق حسن الجوار، بل بمنطق “الهندسة السياسية العميقة” التي تتعامل مع الحدود لا كخط على الخريطة، بل كأداة ضغط وإدارة نفوذ وإعادة ترتيب موازين القوى في الصمت.

منذ ستينيات القرن الماضي، تحوّل هذا الامتداد الجغرافي إلى مختبر دائم للسياسات الأمنية، حيث تُستدعى الذاكرة، وتُعاد كتابة السرديات، ويُترك الشعبان يتجادلان في العلن، بينما تُدار اللعبة الحقيقية في الظل.

حرب الرمال… جرح قديم وسردية لا تنتهي

تعود البداية الفعلية لهذا التوتر إلى عام 1963، مع اندلاع “حرب الرمال” بين البلدين. هذا الصدام لم يبقَ مجرد صفحة من التاريخ، بل أصبح مرجعاً صامتاً يحضر في كل تقدير أمني وكل قرار استراتيجي. منذ ذلك التاريخ، أُعيد تعريف الحدود: لم تعد مجرد خط يفصل بين دولتين جارتين، بل تحولت إلى “ملف” متحرك، وإلى ورقة دائمة في يد الدولة العميقة.

في كل أزمة جديدة، تُستدعى تلك الحرب لا من باب التوثيق، بل من باب تغذية الحذر وإعادة إنتاج الشك المتبادل. التاريخ هنا لا يُستحضر للتعلم، بل يُستخدم كمخزون جاهز لتبرير الحذر وسوء النية.

1994: إغلاق الحدود وتحويل الجغرافيا إلى ملف أمني

شكّل عام 1994 محطة مفصلية، عندما تحوّل الخلاف السياسي والأمني إلى قرار حاسم بإغلاق الحدود. منذ ذلك اليوم، لم يعد الإغلاق إجراءً ظرفياً، بل أصبح سياسة طويلة النفس، تُقاس آثارها بالسنوات لا بالأيام.

إغلاق الحدود حوّل الجغرافيا إلى ملف أمني مفتوح: الحركة بين الشعبين تراجعت إلى الحد الأدنى، العلاقات الاجتماعية تآكلت، والتبادل الاقتصادي تقلّص، بينما اكتسبت الأجهزة الأمنية دوراً أكبر في إدارة التفاصيل. من حين لآخر، تقع حوادث ميدانية محدودة، لكنها لا تُقرأ كأخطاء عابرة، بل كـ”مؤشرات نوايا” تُسجَّل وتُحلَّل في غرف مغلقة.

الدولة العميقة ومنطق الاستنزاف البارد

في كِلا البلدين، يُدار الملف بمنطق “الاستنزاف البارد”: لا انفجار شامل يفرض حلاً، ولا تهدئة جدّية تفتح الطريق إلى مصالحة حقيقية. الهدف هو إبقاء التوتر في مستوى يمكن التحكم به، يسمح بتبرير خيارات سياسية وأمنية داخلية، ويحافظ في الوقت نفسه على قابلية الملف للاستغلال الخارجي.

في هذا المنطق، لا تُترك الهشاشة الاجتماعية دون استثمار. كل انقسام داخلي، كل موجة تحريض، وكل توتر عابر، يمكن أن يُستثمر كورقة في لعبة أطول نفساً بكثير من دورات الأخبار اليومية.

2021: الغاز كلاعب جديد في معادلة قديمة

في عام 2021 دخل الغاز بقوة على خط التوازنات. لم يعد مجرد مورد اقتصادي يعزز الميزانيات، بل تحوّل إلى أداة ضغط جيوسياسي. كل أنبوب، وكل عقد، وكل قرار غلق أو تحويل مسار، بات يحمل رسالة سياسية.

هنا يصبح الغاز لغة ظل موازية للدبلوماسية. كل “صمام يُغلق” يفتح في المقابل قناة تأثير جديدة: على الأسواق، على العلاقات الإقليمية، وعلى موازين القوى داخل المنطقة المغاربية. الطاقة لم تعد مجرد تجارة، بل ورقة نفوذ في صراع بارد على المكانة والدور.

الدين والعرق والتاريخ… أدوات تفريق لا جسور تواصل

في قلب هذه اللعبة، تُستدعى عناصر الهوية: الدين، العرق، والتاريخ المشترك. غير أنها لا تُستدعى كجسور تقارب، بل كثيراً ما تُستخدم كأدوات فصل. الدين يُقدَّم أحياناً كهوية مشحونة لا كقيمة جامعة، والعرق يُعاد صياغته كسردية تنافس وصراع، بينما يُجزَّأ التاريخ إلى مقاطع انتقائية تغذي مشاعر المظلومية المتبادلة.

بهذا، يُدفَع الشعبان إلى جدل لا ينتهي حول الماضي، الحدود، الرموز، والشرعيات، بينما تبقى الأسئلة الأهم – الاقتصاد، التنمية، البطالة، التكامل المغاربي – في الظل، بعيدة عن أولويات النقاش العام.

الإعلام… صناعة الضجيج بدل صناعة الفهم

الإعلام، التقليدي والرقمي، يتحول في جزء منه إلى ذراع تأجيج. العناوين تُصاغ لاستفزاز الغرائز، لا لفتح باب الفهم. التحليل الرصين يُستبدل بلغة الاتهام والتخوين. هكذا يُترك الشارع أسير خطاب مشحون، يتجادل ويتصارع على الشاشات ومنصات التواصل، بينما تبقى القرارات الحقيقية في يد دوائر ضيقة.

في هذا المناخ، يصبح “الاشتباك العاطفي” بين المواطنين على الجانبين أداة بحد ذاته: كل موجة غضب تُقرأ كمعطى يجب استثماره، وكل تصعيد لفظي يصبح جزءاً من معادلة الردع النفسي المتبادل.

المراقبة من الخارج: نفوذ بلا كلفة

في الخلفية، لا تغيب القوى الغربية عن المشهد، وإن لم تظهر في الواجهة. وفقاً لعدد من القراءات السياسية، فإن استمرار الفصل بين الجزائر والمغرب، وحدوداً مغلقة وشعوباً متنازعة، يصب في مصلحة استراتيجية أوسع:

– تقليص احتمالات بروز كتلة مغاربية قوية لها موقف موحد في ملفات الطاقة والهجرة والأمن. 
– الإبقاء على دول المنطقة منشغلة بملفاتها البينية، ما يوسّع هوامش التدخل الخارجي. 
– ضمان نفوذ سياسي واقتصادي “منخفض الكلفة” في منطقة استراتيجية تربط أوروبا بإفريقيا.

في هذا السياق، يبدو أن ما يظهر كخلاف ثنائي هو، في العمق، جزء من معادلة أكبر تُدار خيوطها من عواصم بعيدة تفضّل حدوداً مغلقة على تكامل إقليمي يصعب التحكم به.

الزمن كسلاح لترسيخ السرديات

العنصر الأخطر في هذه المعادلة هو الزمن. كل سنة تمر من دون فتح حقيقي للحدود، أو مسار جدّي للحل، تُعيد تثبيت الصور النمطية وترسّخ السرديات السلبية. أجيال جديدة تنشأ على ذاكرة انتقائية، تعرف عن الجار أكثر مما تسمع عنه، وأقل مما تعيش معه.

الدولة العميقة، هنا، تدرك جيداً أن تقارب الشعوب قد يقلب كثيراً من الحسابات. لذلك يُعاد ضخ الدين والعرق والذاكرة كأدوات فصل، في حين تبقى قنوات الحوار الشعبي والاقتصادي والثقافي شبه مغلقة.

سؤال الظل: من المستفيد… وإلى متى؟

وسط كل هذا، يتراجع سؤال “من المخطئ؟” لصالح سؤال أكثر عمقاً: من المستفيد؟ من يربح من استمرار الحدود المغلقة؟ من يستفيد من التوتر المنخفض الحدة الذي لا ينفجر ولا يُطفأ؟ ومن يملك قرار إنهاء هذه اللعبة؟

يبقى السؤال معلقاً في الظل: إلى أي مدى سيستمر هذا الفصل قبل أن يُرفع الستار عن مرحلة جديدة؟ هل تبقى المنطقة أسيرة “الهندسة السياسية العميقة” التي تحافظ على صراع صامت، أم يفرض الداخل – شعوباً ونخباً – مساراً مختلفاً يعيد للحدود وظيفتها الطبيعية: خطوط عبور لا خطوط قطيعة؟