تواجه الهوية السودانية تحديات خطيرة، حيث أصبح من الواضح أن هناك مشروعاً طويلاً لتفكيك هذه الهوية عبر مراحل تمت بدقة على مدار عقود، لم تكن الحرب على الأرض فقط بل أيضاً على العقل، اللغة، والانتماء. بدأت هذه العملية بشكل جلي عقب الأحداث السياسية الأخيرة، لكنها تحمل جذوراً أقدم بكثير.

تسعى قوى دولية لتقويض عودة السودان إلى مكانته الريادية في المنطقة، ولذلك تم ضرب مقومات الهوية السودانية بأساليب ناعمة. أولها التعليم، حيث تم تدمير المناهج وتمييع التاريخ وحذف الرموز الوطنية، مما أدى إلى تجهيل الأجيال عمداً.

ثانياً، الإعلام، الذي شهد دفعة قوية نحو القنوات الطائفية والمناطقية، بالإضافة إلى ظهور شخصيات تنتقص من قيمة السوداني، ما ساهم في خلق نموذج للهوية المكسورة.

أما على الصعيد القانوني، فقد أصبح الانتماء بلا قيمة والمواطنة بلا معنى، حيث تُكرم الفاسدون ويُعتقل المخلصون. وبالنسبة للذاكرة الجمعية، فقد تم تغييب رموز السودان من كتب المدارس ووسائل الإعلام، مما أثر سلباً على معرفة الأجيال الجديدة بتاريخهم وهويتهم.

كما تأثرت اللغة، حيث ظهرت مفردات هجينة وتركز على الكلمات الطائفية، مما أثر على تماسك اللهجات والسياقات الثقافية.

في مجال الفن والثقافة، تم إقصاء الأعمال التي تتناول الواقع السوداني، بينما انتشرت الأغاني التافهة، مما أدى إلى ضعف الولاء والانتماء لدى الشباب.

كذلك، تم تحويل الدين من رابط أخلاقي إلى أداة للتقسيم والتخدير. مواقع التواصل الاجتماعي لعبت دوراً بارزاً في تلميع العملاء وربط الوطنية بالسخافة، مما زاد من انقسام المجتمع.

كل هذه العوامل تُساهم في تكريس الشك بين الأفراد والمواطنين، حيث تعزز التعصب للعشائر والطوائف بدلاً من الانتماء لوطن واحد. ومع تزايد الأزمات والمتاعب اليومية، قد لا يدرك المواطنون أن الأخطر مما يُسرق هو هويتهم وذاكرتهم الوطنية.

إن لم ننتبه، سنستيقظ قريباً على شعب سوداني فقد هويته، وهو غير عارف من هو وما هي جذوره. لأن الهوية، حين تموت، لا يمكن أن تعود، والشعوب تموت من الداخل قبل أن تُدفن.