في قلب بلاد كوش، حيث تتراقص أشجار النخيل على ضفاف النيل الذهبية، وحيث ترتفع المعابد الشاهقة تكريمًا للإله آمون العظيم، نشأ الملك بعانخي. كان ملكًا مهيبًا، يتدفق في عروقه دماء الفراعنة النوبيين، ويحمل في قلبه إيمانًا راسخًا بالإله آمون الذي اعتبره إلهه الأوحد، وحامي عرشه.
حكم بعانخي مملكته في نبتة (السودان حاليًا) بحكمة وقوة، ورأى كيف ازدهرت بلاده تحت رعايته. لكن عينيه لم تغفلا عن الشمال، حيث كانت مصر العظيمة، موطن آمون الأول، تتداعى. كانت مقسمة إلى دويلات صغيرة، يحكمها أمراء محليون أقوياء، يتصارعون فيما بينهم على السلطة، وتسيطر الفوضى على البلاد. لقد تلوثت المعابد، وتدنسّت الشعائر، ونسي الفراعنة الحقيقيون تقاليدهم.
في حوالي عام 730 قبل الميلاد، وصل إلى مسامع بعانخي أن تفناخت، أمير سايس القوي في الدلتا، قد بدأ في توحيد الأمراء تحت رايته، وكان يتقدم جنوبًا، مهددًا طيبة، مدينة آمون المقدسة، وآخر معقل للنفوذ الكوشي في مصر. شعر بعانخي بمسؤولية ثقيلة تجاه آمون ومصر. رأى في ذلك نداءً إلهيًا، فقرر أن يعيد لمصر كرامتها، وأن يطهر أرضها من الدنس.
جهز بعانخي جيشًا جرارًا، قوامه محاربو النوبة الأشداء، ورفع راية آمون عاليًا. قبل أن يتحرك، أعلن بعانخي عن حملة دينية مقدسة. أمر جنوده بتطهير أنفسهم، وحلق رؤوسهم، والامتناع عن الطعام، والاستحمام في مياه النيل النقية، ثم تقديم الأضاحي لآمون. كان يعتقد أن النصر لن يأتي إلا ببركة الإله.
بدأت حملة بعانخي نحو الشمال. اجتاز الجند المسافة الطويلة من نبتة إلى مصر، وكانت المدن تسقط أمامه الواحدة تلو الأخرى، بعضها بالقتال، وبعضها بالاستسلام. كان بعانخي قائدًا فريدًا؛ لم يكن مجرد فاتح، بل كان مصلحًا. عندما استولى على مدينة الأشمونين (خمنو)، وجد أن الملك نيمروت كان قد تحصن فيها، لكن بعانخي فرض حصارًا شديدًا وأجبره على الاستسلام. ما كان مثيرًا للإعجاب هو تسامح بعانخي؛ لقد عفا عن نيمروت وأعاده إلى عرشه بعد أن أقرّ له بالولاء.
وصل بعانخي إلى ممفيس العظيمة، العاصمة القديمة لمصر، التي كانت خاضعة لتفناخت. كانت المدينة محصنة جيدًا، وقد وصف بعانخي في لوحته الشهيرة كيف فكر في طرق مختلفة لاقتحامها. في النهاية، أمر سفنه بأن ترسو على الجدران المطلة على النيل، واستخدمها كممرات للجنود لاقتحام المدينة. سقطت ممفيس، وأُجريت فيها الطقوس المقدسة لآمون.
استمر بعانخي في طريقه، يتلقى ولاء الأمراء المحليين، ويُطهر المعابد، ويعيد العبادة الصحيحة لآمون. كان تفناخت، الخصم الرئيسي، يفر أمامه، لكن بعانخي لم يتوقف إلا بعد أن حاصره وأجبره على تقديم البيعة. في مشهد مهيب، اجتمع ملوك مصر الصغار أمام بعانخي ليعلنوا ولاءهم. لكن بعانخي رفض مصافحة تفناخت، لأنه لم يكن “طاهرًا”، فقد كان يأكل السمك، وهو أمر كان يعتبر دنسًا في التقاليد النوبية النقية.
بعد أن وحد مصر تحت رايته، وأعاد النظام إلى البلاد، ونقّى المعابد، لم يسعَ بعانخي إلى نقل عاصمته إلى مصر. بدلاً من ذلك، عاد منتصرًا إلى نبتة، مقر حكمه، تاركًا خلفه حكامًا كوشيين يضمنون ولاء مصر له. لقد حكم مصر والسودان كفرعون واحد، وأسس الأسرة الخامسة والعشرين، المعروفة أيضًا باسم الأسرة النوبية أو الكوشية، التي حكمت مصر لنحو قرن من الزمان، وأعادت إليها عصرًا من القوة والتقوى.
تُخلد لوحة بعانخي العظيمة، التي عُثر عليها في معبد آمون بجبل البركل في نبتة، قصة حملته البطولية بكل تفاصيلها، لتروي لنا قصة الملك النوبي الذي وحّد الأرضين، وحمى إلهه، وأعاد مجد مصر القديمة. لقد كان بعانخي ليس مجرد فاتح، بل كان مصلحًا دينيًا وبانيًا لإمبراطورية امتدت من قلب إفريقيا إلى دلتا النيل.
