<span;>محمد سليمان عبدالحفيظ وداعة الله
<span;>شهدت كرة القدم السودانية في السنوات الأخيرة نهضةً ملحوظةً تثير الفخر؛ من تقديمٍ مشرّف في البطولات الأفريقية والعربية، إلى مستويات لافتة للمنتخب الوطني، وأداءٍ متميّز للأندية على الساحة القارية. غير أن هذا الصعود يُشبه بناء طابق علوي فاخر لمبنى لم يكتمل أساسه بعد؛ فمهما ارتفع البناء وازدان، يظل هشًّا أمام أول اختبار حقيقي. وهذا يفسّر حالة التردد في رفع سقف التوقعات للفوز ببطولة قارية، لا بسبب نقص في الموهبة أو العزيمة، بل لخللٍ جوهري في الأسس والبنى التحتية لكرة القدم السودانية.
<span;>الملاحظ أن مشكلات كرة القدم السودانية لا تكمن في القمّة (اللاعبين، المدربين، الأداء الفني داخل الملعب)، بل في القاعدة. إنها أزمة «الأساس»؛ حيث تُبنى الانتصارات العابرة على رمال متحركة، بينما يُهمَل «النقش على الحجر»، أي تطوير الناشئين منذ الصغر. فيُصارع اللاعب تعلّم أساسيات اللعبة في مرحلة متقدمة، لأن النظام لم يُمهّد له الطريق منذ البداية. وهذا أشبه بمحاولة بناء جدار عالٍ دون التأكّد من متانة حجارته الأولى وأساسه.
<span;>ولتحويل الإنجازات الفردية إلى نجاحٍ مؤسسي دائم، لا بد من انتقالٍ استراتيجي من ثقافة الترقيع السريع إلى فلسفة البناء التأسيسي. ويتطلب ذلك تفعيل الأكاديميات الرياضية علميًا وعمليًا، لا بوصفها مراكز تدريب فحسب، بل منظومات متكاملة تقدّم تعليمًا رياضيًا وتربويًا مواكبًا لأحدث المناهج العالمية، يقيس المهارة، والفكر التكتيكي، واللياقة الذهنية، ويربط بين المنهج الدراسي والأداء الرياضي في آنٍ واحد.
<span;>كما يتطلب الأمر تبنّي المعايير الدولية كدستور عمل، وتطبيق أسس التحكيم، والتخطيط، والتحليل، والحوكمة، والإدارة الحديثة منذ مراحل الناشئين، لخلق ثقافة رياضية تتقن «لغة كرة القدم العالمية» وتنافس بمنطقها. ويشمل ذلك استثمارًا حقيقيًا في رأس المال البشري عبر رعاية المواهب المبكرة، واكتشاف الموهوبين في القرى والمدن الصغيرة، وتوفير رعاية شاملة (رياضية، صحية، تعليمية، ونفسية).
<span;>والأهم من ذلك، صناعة جيل جديد يقوم على حب اللعبة وقيمها قبل الإمكانيات المادية؛ جيل مشبع بروح الفريق والانضباط والطموح. إضافة إلى تصدير الكفاءات من خلال ابتعاث مدربين وإداريين شباب إلى الخارج، لا للتدريب فقط، بل لاكتساب ثقافة النجاح الكروي ونقل الخبرات التي تُنشئ النظام، لا مجرد التكتيك.
<span;>إن التحدي الحقيقي أمام كرة القدم السودانية اليوم ليس في كيف نربح مباراة، بل في كيف نبني منظومة تربح أجيالًا. فالإنجازات الحالية دليل على طاقة كامنة هائلة، وإشارة انطلاق يمكن البناء عليها. وقد حان الوقت لتحويل الاندفاع العاطفي بعد كل أداء مشرّف إلى قرارات مؤسسية جريئة تستثمر في «حجر الأساس».
<span;>فالتاريخ يثبت أن الأمم التي تُربي أبطالها منذ الصغر، هي التي تحصد الكؤوس عند الكِبر.
<span;>والسؤال الآن:
<span;>هل نستطيع تحويل هذا الزخم العاطفي إلى مشروع وطني لبناء أساسٍ صلب، يُخرج لنا ليس فريقًا يُبهر مرة، بل منظومة تُنتج الإبهار دائمًا ولا تتوقف؟
<span;>                                                            مستشار قانوني