لم يكن صراخ الشارع السوداني في أيام الثورة الأولى مجرد هتاف عابر؛ كان زلزالا هز أركان نظام استمر ثلاثة عقود، حاملاً في طياته طموحاً يكاد يكون أزلياً: البحث عن وطن يسع الجميع. لكن، ومع مرور السنوات، تحول ذلك الحماس إلى أسئلة حارقة تتسلل إلى أروقة السياسة ومجالس النخب: لماذا كلما اقتربنا من “التغيير”، عدنا لنقطة الصفر؟ ولماذا تظل “الدولة” في السودان حلماً بعيد المنال، بينما يغرق المشهد السياسي في دوامة البحث عن “المنقذ” الواحد؟

في هذا التحقيق، نغوص في جوهر الأزمة السودانية التي تتجاوز الصراع على السلطة، لتصل إلى أزمة “المشروع”. نناقش لماذا فشلت التجارب الانتقالية المتعاقبة في مأسسة الدولة، وكيف تحولت الكفاءات الوطنية إلى أسرى للمحاصصات الحزبية، ولماذا يظل السودان مرتهناً لأشخاص بدل أن يرتكز على مؤسسات.

فصل أول: وهم “المنقذ”.. حين ترفع سقف التوقعات

تاريخ السودان الحديث هو تاريخ طويل من البحث عن “المخلص”. من العهود العسكرية التي وعدت بالاستقرار، وصولاً إلى الفترات الديمقراطية التي عانت من الانقسام، ظل السودانيون ينتظرون الشخص الذي يحمل في جيبه مفاتيح الحل السحري.

يرى مراقبون ومحللون سياسيون أن هذا النمط من التفكير ليس وليد اللحظة، بل هو نتاج تهميش طويل للمؤسسات. في لقاءات أجريناها مع فاعلين سياسيين شهدوا دهاليز العمل الحزبي، اتفق الجميع على نقطة مركزية: لقد تم تسويق الأشخاص بدلاً من المشاريع.

تجربة الدكتور عبد الله حمدوك، كنموذج للمرحلة الانتقالية، تظل الأكثر دلالة في هذا السياق. لقد دخل حمدوك المشهد كـ”تكنوقراط” يتمتع بخلفية دولية وخبرة اقتصادية، لكنه وُضع فوراً في قالب “المنقذ”. يقول الكاتب والمحلل السياسي أحمد محمد ضيف الله في مدونته التي استند إليها هذا التحقيق: “عندما تضع شخصاً أمام شعب كامل باعتباره المنقذ، فإنك ترفع سقف التوقعات إلى درجة يصعب معها على أي إنسان أن يحققها”.

هذا “التأليه” السياسي للشخصيات، حتى وإن كانت تمتلك كفاءة حقيقية، هو أول مسمار في نعش الدولة. فحمدوك، الذي كان يُنتظر منه إصلاح اقتصاد تراكمت أزماته لعقود، وجد نفسه مكبلاً بضغوط سياسية، وغياب حاضنة مؤسسية تسانده، ليتحول في نظر الشارع من “أمل” إلى “خيبة أمل” في وقت قياسي.

فصل ثاني: أزمة المؤسسة.. حين تصبح الوزارة “مكافأة”

في قلب الخرطوم، وتحديداً في شارع الجمهورية، لا تزال مباني الوزارات والهيئات شاهدة على تدهور الخدمات. إن المشكلة في السودان، كما يجمع خبراء الإدارة العامة، ليست في نقص الموارد أو غياب العقول، بل في “الاستحواذ الحزبي” على مفاصل الدولة.

على مدى عقود، تحولت الوظائف العامة، لا سيما المناصب الوزارية والقيادية، إلى “مكافآت سياسية” تُوزع على الولاءات لا الكفاءات. في نقاشات مع قيادات سياسية تاريخية، برز تساؤل جوهري: لماذا لا نكسر هذه الحلقة المفرطة؟ لماذا لا نختار الشخص الأكثر قدرة على إدارة المؤسسة، حتى لو لم يكن من الحزب الحاكم؟

إن غياب هذه الرؤية حول “الكفاءة” أدى إلى تصحر في الخدمة المدنية السودانية. تحولت الوزارات إلى جزر منعزلة تدار بعقلية حزبية ضيقة، مما أدى إلى انهيار المؤسسات التراكمي. عندما لا يكون هناك مشروع دولة واضح ومستمر، فإن كل حكومة قادمة تشعر بأنها مضطرة لـ “هدم” ما بنته سابقتها، وكأن التاريخ يبدأ معها، وينتهي برحيلها.

فصل ثالث: غياب الرؤية.. معركة توزيع المناصب مقابل معركة البناء

بينما كان المواطن ينتظر سياسات حول التعليم، والصحة، وتأهيل الزراعة والمياه، كانت القوى السياسية منشغلة بـ “معركة توزيع المناصب”. هذه الظاهرة هي التي أفرغت الثورة من محتواها الخدمي.

يرى الخبراء أن الإشكالية تكمن في أن النخب السياسية السودانية دخلت مرحلة التغيير دون “عقد اجتماعي” واضح. لم يكن هناك دستور متفق عليه، ولا خارطة طريق لهيكلة الدولة. يقول المراقبون: “إن القوى السياسية كانت تدخل المشهد برؤى منفصلة، متنافسة على السلطة، بينما كان من المفترض أن تتنافس على المشاريع”.

إن هذا الغياب للرؤية المشتركة هو الذي أدى إلى تعثر مفاوضات السلام وقضايا العدالة الانتقالية. فالقضايا المصيرية تم التعامل معها كملفات سياسية للمساومة، وليس كمشاريع وطنية لإعادة بناء النسيج الاجتماعي السوداني.

فصل رابع: ما هو مشروع الدولة؟

السؤال الذي يطرحه الشارع اليوم بمرارة هو: “ماذا بعد؟”. الإجابة ليست في تغيير الوجوه، بل في “تغيير العقلية”. مشروع الدولة الذي يحتاجه السودان ليس وصفة سحرية، بل هو هيكل صلب يتكون من ركائز أساسية:

  1. المؤسسية: أن تُدار الدولة عبر نظم وقوانين راسخة، لا تعتمد على شخص الوزير أو الحاكم. المؤسسات هي التي تضمن استمرارية الخدمات.
  2. الكفاءة العابرة للحزبية: تحرير الخدمة المدنية من المحاصصات السياسية. يجب أن يكون المعيار الوحيد لتقلد المناصب هو القدرة على الإدارة والخبرة.
  3. المشاركة الواسعة: أن يتم إعداد الدستور والسياسات الكبرى عبر مشاركة تمثل كافة ولايات السودان، لا عبر صفقات الغرف المغلقة في الخرطوم.
  4. تراكم الخبرات: أن تعترف كل حكومة بإنجازات سابقتها وتكمل عليها، بدلاً من سياسة “الأرض المحروقة” التي دمرت الدولة السودانية.

خاتمة: العبور من “المنقذ” إلى “المؤسسة”

إن الدرس القاسي الذي استوعبه السودانيون عبر سنوات من التخبط هو أن الدولة لا تبنى بشخص واحد، مهما كانت عبقريته أو إخلاصه. لا يمكن لمنقذ واحد أن يحمل أعباء بلد بحجم قارة، يواجه تحديات اقتصادية وأمنية واجتماعية هائلة.

إن المستقبل يكمن في قدرة السودانيين على الانتقال من ثقافة “البحث عن القائد” إلى ثقافة “بناء النظام”. إن السودان لا يحتاج إلى رجلٍ خارق يطير فوق الأزمات، بل يحتاج إلى “مشروع” يضع كل لبنة في مكانها الصحيح، ويمنح كل مواطن حقه في مدرسة أفضل، ومستشفى لائق، ومستقبل يضمن له العيش الكريم.

يقول الكاتب في ختام رؤيته: “الدولة تُبنى عندما تتراكم الخبرات والمؤسسات، وعندما يصبح التغيير السياسي انتقالا من مرحلة إلى أخرى، لا هدماً لكل ما سبق”. هذا هو الاختبار الحقيقي للنخبة السودانية اليوم: هل سيستمرون في صراعهم على الكراسي، أم سيرتقون لمستوى المسؤولية ويصيغون أخيراً.. “مشروع الدولة”؟