في ظل تعقيدات المشهد الأمني في منطقة القرن الأفريقي، برزت إلى السطح مجدداً اتهامات إثيوبية وُجهت إلى كل من السودان ومصر بتقديم دعم لـ “تحالف قوى الشعب الإثيوبي من أجل البقاء”، وهو تكتل يضم حركات مسلحة وسياسية تسعى لإحداث تغيير في بنية الحكم في أديس أبابا.
تأتي هذه الادعاءات في وقتٍ يشهد فيه شمال إثيوبيا تصاعداً في وتيرة المواجهات المسلحة، وذلك بعد قرابة أربع سنوات من اتفاق “بريتوريا” الذي كان يهدف لإنهاء النزاع في إقليم تيغراي. وقد أشار رئيس أركان الجيش الإثيوبي، المشير برهانو جولا، إلى أن الجماعات المعارضة لا تمتلك القدرة على مواجهة الحكومة المركزية دون “دعم خارجي”، موجهاً أصابع الاتهام للقاهرة والخرطوم، معتبراً إريتريا حلقة وصل في هذا السياق، دون أن يقدم أدلة ملموسة تدعم هذه المزاعم.
في المقابل، قوبلت هذه الاتهامات برفض قاطع من الأطراف المعنية؛ حيث أكد الناطق باسم الجيش السوداني أن هذه المزاعم “لا أساس لها من الصحة”، مشدداً على التزام الخرطوم بمبادئ القانون الدولي وحسن الجوار، في الوقت الذي أشار فيه إلى أن إثيوبيا تغض الطرف عن أنشطة تتعلق بتدريب قوات الدعم السريع داخل أراضيها، وهو ما تنفيه أديس أبابا. ومن جانبها، نفت القاهرة هذه الادعاءات، مؤكدة أنها تنتهج سياسة عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، داعية أديس أبابا إلى معالجة أزماتها الداخلية بعيداً عن “سياسة التبرير” وربط قضاياها بأطراف خارجية.
ويرى المحللون أن بروز اسمي مصر والسودان في الخطاب الرسمي الإثيوبي ليس بمعزل عن سياق التوترات التاريخية والراهنة؛ إذ يرتبط التوتر المصري بملف “سد النهضة” والخلافات المزمنة حول تشغيله وإدارته، بينما تزداد العلاقات السودانية-الإثيوبية تعقيداً بسبب التداخل الحدودي والحرب الراهنة في السودان، حيث تتبادل الخرطوم وأديس أبابا اتهامات ضمنية حول دعم أطراف متصارعة، في ظل تحول الحدود المشتركة إلى ساحة لنقل الإمدادات والمخاوف الأمنية المتبادلة.
ويشير الخبراء إلى أن الاتهامات الإثيوبية تأتي في لحظة دقيقة، حيث يتشكل “تحالف قوى الشعب الإثيوبي من أجل البقاء” من طيف واسع من القوى السياسية والعسكرية ذات الخلفيات المتنوعة، مما يجعل المشهد الإثيوبي الداخلي في حالة سيولة أمنية كبيرة. وفي ظل غياب الأدلة العلنية التي تدعم الاتهامات الإثيوبية، يبدو أن توظيف “العدو الخارجي” يظل أداة سياسية تقليدية لمحاولة احتواء الضغوط الداخلية المتزايدة.
