العنكبوت
د.مهند عثمان التوم
لم تعد معضلة المواطن السوداني اليوم تتلخص في شح الكاش فحسب فقد تحولت إلى معادلة يومية مؤلمة تضع الجميع أمام خيارين أحلاهما مر إما أن تظل أموالك حبيسة في الحسابات البنكية التي تفتقر للسيولة أو أن تبحث عنها نقداً وتدفع ضريبة الوصول إليها عبر عمولات وخصومات تستنزف ما تبقى من قوت يومك وصلت في بعض المناطق نسبة 40٪ هذا الواقع المرير يضع المواطن البسيط في قلب أزمة غير مسبوقة فمن يمتلك رصيداً في البنك يجد نفسه مقيداً ومن يسعى لتحويل هذا الرصيد إلى عملة ورقية يواجه جيشاً من السماسرة والرسوم الإضافية التي تلتهم جزءاً معتبراً من قيمة المبلغ والنتيجة واحدة خسارة محققة للمدخرات التي جُمعت بشق الأنفس.
تتجاوز أزمة السيولة في السودان لغة الأرقام والنسب المئوية لتلامس واقعاً إنسانياً معقداً فالمبلغ الذي قد يبدو كبيراً في السجلات المحاسبية لم يعد يملك القوة الشرائية التي كان عليها في السابق، هناك رحلة بحث يومية عن السيولة تتخللها مشاعر العجز يجد الأب نفسه عاجزاً عن توفير متطلبات أطفاله والموظف ينتظر راتبه ليجد أن جزءاً كبيراً منه تبخر في عمولات التحويل والأسوأ من ذلك تلك الأم التي تنتظر أموالاً لعلاجها لتكتشف أن حقها في الرعاية الصحية صار مرهوناً بقدرتها على تأمين النقد الورقي الذي يأكل قيمة النقود الالكترونية، لم يعد الجنيه السوداني الالكتروني مجرد وحدة عملة بل أصبح رمزاً لتعب ومسؤوليات وتضحيات فكل جنيه يتم اقتطاعه كـعمولة هو قطعة من خبز أطفال أو دواء مريض أو إيجار منزل أو غذاء أطفال أو ماء شرب.
يردد المواطن السوداني اليوم صرخة موحدة ليست مطالبة بالرفاهية أو بالحلول المستحيلة بل نداء بسيط ومباشر نريد الوصول إلى أموالنا كاملة دون نقص أو عمولة لإن كرامة المواطن في حقه في التصرف بماله الخاص دون أن يكون فريسة لتقلبات السوق أو ندرة السيولة.
إن واقع الحال في السودان اليوم يستصرخ الضمائر فالمواطن الذي يصارع ظروف الحياة القاسية لا ينتظر وعوداً بل يتطلع إلى استعادة أبسط حقوقه الاقتصادية بأن يصل رزقه إلى يده دون أن يضيع جزء منه في دروب العمولات والخصومات، وفي ظل هذا الوجع الراقد الذي يكتوي به الجميع تبقى الآمال معلقة بأن تنجلي هذه الغمة وأن يجد المواطن السوداني الذي طال صبره سبيلاً لحياة تحفظ له كرامته وتحمي ما تبقى من أرزاقه دون خصم فهل يعقل نسب العمولة البنكية تتراوح في السودان بين 20-40٪.
