في ظل اتساع رقعة الأزمة الاقتصادية التي تنهش جسد السودان، لم يعد السؤال الذي يؤرق المعلم السوداني هو “كيفية تطوير التعليم”، بل تحول ببساطة إلى: “كيف أطعم أطفالي لنهاية الأسبوع؟”. هذه ليست مبالغة أدبية، بل حقيقة رقمية صادمة وثقتها دراسة ميدانية حديثة للمكتب الاجتماعي بلجنة المعلمين السودانيين، تكشف أن ما يتقاضاه المعلم بالكاد يغطي 3% من احتياجاته الأساسية.

أرقام تعري الواقع

الدراسة التي أعدتها اللجنة، والتي تثير تساؤلات وجودية حول مستقبل العملية التعليمية، كشفت فجوة مرعبة؛ فتكلفة المعيشة لأسرة سودانية مكونة من خمسة أفراد، دون أي “رفاهية” أو حتى أبسط الكماليات، تصل إلى 4.180 مليون جنيه شهرياً. وفي المقابل، لا يتجاوز متوسط راتب المعلم 128 ألف جنيه، أي ما يعادل 19 دولاراً فقط.

هذا الفارق الشاسع ليس مجرد عجز محاسبي، بل هو “فقر مدقع” كما وصفته اللجنة، حيث يجد المعلم نفسه عاجزاً عن توفير متطلبات أسرته بعد مرور 7 أيام فقط من الشهر.

مفارقات إقليمية: السودان في القاع

حين نضع الأرقام السودانية على ميزان المقارنة الإقليمي، تتكشف المأساة بوضوح أكبر. الحد الأدنى للأجور في القطاع العام السوداني لا يتخطى 12 ألف جنيه (1.8 دولار)، وهو مبلغ لا يغطي تكلفة وجبة واحدة للفرد. وللمقارنة، يبلغ الحد الأدنى للأجور في مصر 157 دولاراً، وفي تشاد المجاورة 100 دولار، وتصل في المغرب إلى 365 دولاراً.

حتى الزيادة الأخيرة التي أقرتها الحكومة بمقدار 395 ألف جنيه، لم تكن سوى “مسكن موضعي” لم يغير من واقع الحال شيئاً، حيث تغطي هذه الزيادة 9% فقط من تكلفة المعيشة، ليظل العجز الشهري صامداً عند حاجز الـ 3.785 مليون جنيه.

المعلم بين “النطيطة” والبحث عن البديل

خلف هذه الأرقام، تتشكل حياة المعلمين كساحة صراع يومي. في تعليقات تعكس حدة الانقسام حول الأزمة، يرى البعض أن المعلمين القدامى وذوي الدرجات الوظيفية العليا قد يمتلكون هامشاً أفضل، بينما يقع المعلمون الجدد تحت رحمة ضيق ذات اليد.

يبرز هنا ما يطلق عليه محلياً ظاهرة “النطيطة”؛ أي تنقل المعلم بين المدارس الحكومية والخاصة وإعطاء الدروس الخصوصية في سباق محموم لتأمين لقمة العيش، وهو ما يطرح تساؤلاً حول قدرة المعلم على التركيز في رسالته التربوية وهو يصارع من أجل البقاء.

مطالب اللجنة: حلول أم مسكنات؟

في مواجهة هذا الانهيار، تطرح لجنة المعلمين السودانيين حزمة من المطالب، تصفها بالحد الأدنى لاستعادة الكرامة المهنية:

  1. رفع الحد الأدنى للأجور إلى 375 ألف جنيه.
  2. إقرار علاوة طبيعة عمل بنسبة 70% من الراتب الأساسي.
  3. صرف المتأخرات المستحقة للفترة من 2023 وحتى 2024.

إلا أن هذه المطالب تصطدم بواقع اقتصادي هش، وربما تكون مجرد صرخة في وادٍ إذا لم تقترن بإصلاحات هيكلية شاملة.

أسئلة للمستقبل

بينما ينتظر السودانيون إعلان نتائج الشهادة الثانوية، تظل أزمة المعلم السوداني “شهادة وفاة” صامتة لنظام تعليمي يحتضر. فهل ستستجيب السلطات لهذه النداءات لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، أم سيستمر “أسبوع الصمود” ليصبح هو القاعدة وليس الاستثناء؟

ويبقى المواطن والتربوي في السودان عالقاً بين مطرقة الواقع وسندان الظروف، في انتظار “بشريات” لا تأتي، مع تساؤلات مشروعة عمن يتحمل مسؤولية هذا التآكل الطبقي والمهني الذي يضرب عصب الأمة.