بينما تحاول الأسر السودانية تدبير أمورها المعيشية عبر التطبيقات البنكية في ظل ظروف الحرب القاسية، برز غول جديد يهدد مدخراتهم البسيطة. لم يعد السطو يحتاج إلى كسر الأبواب، بل بات يكفيه “رابط ملغوم” وصفحة مزورة على “تيك توك” أو “فيسبوك” تنتحل صفة مؤسسة مصرفية عريقة، لتتحول أموال الضحية في لمح البصر إلى حسابات مجهولة، تاركة خلفها آلاف المأساة الإنسانية.

بالأرقام.. تسونامي الاحتيال يضرب الخرطوم
لم تعد جرائم المعلوماتية مجرد حوادث عابرة، بل تحولت إلى ظاهرة مرعبة تؤكدها الأرقام الرسمية. وفي إفادات حصرية لـ«العربية.نت»، كشف وكيل نيابة مكافحة جرائم المعلوماتية، آدم السنوسي عن حجم الكارثة؛ حيث استقبلت النيابة في الخرطوم وحده أكثر من **ألفي بلاغ خلال شهرين فقط

هذا الرقم الصادم يعكس تطوراً خطيراً في أساليب العصابات الإلكترونية التي باتت تستغل حاجة الناس وشغفهم بالخدمات الرقمية لتنفيذ عمليات سطو ممنهجة.

هندسة الخداع”.. كيف تُسرق بياناتك؟
يشرح السنوسي لـ«العربية.نت» التكتيك الذي تتبعه هذه العصابات، مشيراً إلى أن الأمر يبدأ بإنشاء صفحات “احترافية” تحمل أسماء بنوك كبرى (مثل بنك الخرطوم). يتم إغراء الضحايا عبر إعلانات ممولة تدعي:
* رفع سقف التحويلات اليومية.
* تنشيط الحسابات المجمدة.
* تحديث البيانات للحصول على منح.

بمجرد الضغط على الرابط، يدخل الضحية إلى “نسخة طبق الأصل” من موقع البنك الرسمي. هناك، يُطلب منه إدخال رقم حسابه، كلمة المرور، والأخطر من ذلك: رمز التحقق (OTP). في تلك اللحظة، يكتمل الاختراق، ويقوم الجناة فوراً بسحب الرصيد وتحويله إلى حسابات أخرى تُستخدم هي ذاتها كمحطات وسيطة لتضليل السلطات.

استغلال العاطفة.. السلاح السري للمحتالين
في هذا التحقيق، تواصلنا مع مختص في الأمن السيبراني الذي كشف عن بُعد آخر لهذه الجرائم. يرى المختص أن المحتالين انتقلوا من “الخداع التقني” إلى “الهندسة الاجتماعية”، أي استغلال عواطف الضحايا.

يقول المختص لـ«العربية.نت»: “المحتالون يراهنون على حاجة السودانيين للسفر، أو الحصول على مساعدات إنسانية، أو وظائف في منظمات دولية. ينتحلون صفة سفارات أو جهات إغاثية، ويطلبون رسوماً زهيدة مقابل خدمات وهمية عبر تطبيق (بنكك)، وهو الفخ الذي يسقط فيه الكثيرون بدافع الأمل”.

من هم الضحايا؟
خلافاً للاعتقاد السائد بأن النساء هن الأكثر عرضة للخداع، كشف السنوسي أن غالبية الضحايا من الرجال، وتحديداً من الفئات البسيطة أو المتقاعدين ومحدودي الخبرة الرقمية الذين يثقون في الشعارات الرسمية دون التأكد من “توثيق” الصفحات.

الوعي الرقمي
: خط الدفاع الأخير
يجمع الخبراء والمسؤولون العدليون على أن المواجهة الأمنية وحدها لا تكفي. فالقاعدة الذهبية التي يجب أن يحفظها كل مستخدم للخدمات المصرفية هي:

(لا توجد جهة رسمية، سواء كانت بنكاً أو سفارة أو منظمة، تطلب منك رمز التحقق أو كلمة المرور عبر رابط أو رسالة نصية).

توصيات التحقيق للحماية:
1. تجاهل الروابط: لا تدخل إلى حسابك البنكي عبر روابط من منصات التواصل؛ استخدم التطبيق الرسمي فقط.
2. التأكد من التوثيق: ابحث عن العلامة الزرقاء في صفحات البنوك على فيسبوك وتيك توك.
3. سرية الـ OTP: رمز التحقق هو مفتاح خزنتك، لا تشاركه مع أي شخص حتى لو ادعى أنه موظف بالبنك.

خاتمة:
إن تجاوز البلاغات حاجز الألفين في فترة وجيزة يضع المجتمع والمؤسسات أمام تحدٍ مصيري. فبينما يطور المحتالون أدواتهم مستغلين ظروف الحرب، يبقى “الوعي” هو الدرع الوحيد الذي يحمي أموال السودانيين من التبخر في فضاء “تيك توك” المليء بالأفخاخ.