نشرت بصحيفة الوان العدد 5157 بتاريخ 24/3/2013
جورجيت معلم من معالم بورتسودان
كتب:تاج الدين عثمان(ابوفارس)
جورجيت من أسرة شامية تعيش فى حالها مثلها والأسر التى تقطن الحى الإغريقى من الجاليات المختلفة بدأت قصتها فى نهاية الخمسينيات بعد أن توفت والدتها و تقاعد والدها عن العمل وكان لها شقيق يعمل بالتجارة تخرجت جورجيت من مدرسة كمبونى وعملت بالتدريس كانت جميلة تفيض بالحيوية كالفراشة تحلق فى سماء الحى تقود دراجتها فى شوارعه ونالت إعجاب كل من نظر إليها لحسنها الطاغى . بدأت قصتها عندما سكن بالحى موظف اسمه عبدالمحسن جاء منقولاً من الخرطوم وإستأجر مع زميل له غرفة بمنزل أسرة إغريقية مواجه لمنزل جورجيت.. كان الشاب عبدالمحسن وسيماً وكان فى كل صباح يستمع لصوت غناء الفنانة فيروز وهى تشدو بأغانيها الرائعة صادراً من نافذة المنزل المواجه له وكان منزل جورجيت .. أصبح عبدالمحسن يصحو مبكراً ليستمع لغناء فيروز وبدأت علاقتهما بتحية ثم تلويح وإستلطاف وقبول حتى تطور الأمر بأن طلبت منه أن يقابلها أمام المنزل تردد الشاب إبتداءاً فلم يكن له سابق تجربة بمثل هذا وعندما شعرت بتمنعه إختفت و إختفى صوت فيروز لمدة إسبوع إلا أنها عاودته مرة أخرى فأستجاب لنداء الحب و أسرع مهرولاً لها فدست فى يده ورقة ثم رحلت عنه . كتبت له فيها ” أنت أسير مخاوف لا مبرر لها ولقد قررت معاقبتك وحرمانك من موسيقى فيروز ومن رؤيتى لأنك لا تستحق مشاعرى وهى مشاعر خاصة أحملها لك ولكنك جبنت وأنا أنفر من أمثالك أريد للرجل أن يكون مقداماً فى عقل ، جريئاً فى عفة ، طموحاً فى أدب ، إن ظللت على ترددك أرجو أن تنسانى و إرحل عن طريقى و إلا كن فى مستوى من يريدونك . رضخ الشاب لأمر الحب فعرفته بأهلها ووالدها وشقيقها وتطور الأمر إلى أن أعلن خطوبته عليها .. شاع الخبر حتى وصل مسامع أهله فى الخرطوم فحضر والده وإقتلعه من مكتبه رافضاً عودته للمنزل لأخذ ملابسه وأرجعه إلى الخرطوم وحلف عليه طلاق تلاته دون رؤية جورجيت أو حتى علمها بسفره . ولكن اعطي محسن لزميله ورقه صغيره كتب فيها تفاصيل ماحدث مع والده ووعدها انه سيعود فاخذصديق عبدالمحسن الورقه ووضعها امام باب منزل جورجيت واشار اليها لكي تاخذها بعد ان يذهب ولكن عندما وصلت جورجيت للباب كانت الريح قوية فطارت الورقه وركضت جورجيت خلفها لكنها لم تلحق بها فالرياح ابعدت الورقه وضاعت تماما أصابت المفاجأة جورجيت فى مقتل وساءت حالتها وتدهورت صحتها النفسية و أصبحت لا تعى ما تفعل ووهن عقلها وأصبحت تجوب شوارع الحى الإغريقى والسوق الرئيسى تبحث وسط الأوراق المتناثرة فى الشارع لعل وعسى ان تجد الرساله او أن يكون حبيبها أرسل لها رسالة اخري ضلت طريقها وسط الركام . البعض يقول أنها فقدت عقلها مجنونة والبعض ممن كان يعرف قصتها يعى سيكولوجية العلاقات الإنسانية وما تجره لمثل هؤلاء ممن يعيشون
الحياة بصدق ويعاشرون بإخلاص وتحمل قلوبهم الصفاء والنقاء بعيداً عن الزيف والخداع .. كانت جورجيت من هؤلاء أحبت لحد الجنون تمسكت بالأمل ولو عبر رسالة مجهولة فى رحم الغيب . عاد حبيبها بعد وفاة والده باحثاً عنها وعلم بأنها أصبحت وحيدة ليس لها عائل سوى عائلة أندريا الذين كفلوها بعد أن فقدت أسرتها إلتقاها بأحد الأزقة بعد أن راح بريق عينيها وأصبحت ساهمة تنظر إليه كالفراغ وتركته واقفاً وراحت لحال سبيلها تمارس عملها اليومى فى جمع الأوراق المتناثرة من الشارع .. تحسر عليها وذهب فى حال سبيله لا يلوى على شيئ وتركها فيما هى فيه . عاشت جورجيت هكذا معلم من معالم مدينة بورتسودان .. تحدثوا عنها وقاموا بتأليف روايات عن حياتها وتناقلوها فى مجالسهم وإن إختلفت فى بعض التفاصيل لكنها ظلت فى ذاكرة المدينة مثالاً حياً للحب الصادق والوفاء للمحبوب حتى بعد فراقه باحثة عنه وعن رسائله حتى جرفها التيار إلى حافة الجنون تجوب الشوارع لا تتحدث مع أحد هائمة على وجهها لا يجول بخاطرها إلا حبيبها الذى رحل بعيداً ولم يترك لها عنوان إلى أن توفاها الله عقب أصابتها بضربة شمس جوار مصفاة بورسودان للبترول يوم 21 اغسطس 1994 وأسلمت الروح و إنسحبت بهدوء .
انتهى
هذه قصة جورجيت ..اسطورة رومانسية اخرى ..وقصة سودانية تنضم الى قصة تاجوج والمحلق ..قصة لم يسمع بها الكثيرون ..