– حكومة السودان بين طموح التكنوقراط وفخ المحاصصة هل ستنجح في عبور حقل الألغام؟
– صراع الصلاحيات بين رئيس الوزراء ووزراء الحكومة يضع حكومة الأمل علي المحك والمجلس السيادي أمام خيار الحسم
– هل يمثل صراع د.كامل و د.جبريل حرب صلاحيات إدارية أم أنه صدام بين عهد التكنوقراط المنشود واستحقاقات اتفاق جوبا القائمة؟
– هل يحتمل السودان في ظروفه الراهنة صراع الأبراج العاجية في قمة الهرم الاقتصادي؟ ومن يملك المصلحة في تغذية هذا الخلاف العجيب؟!

بينما تترقب العيون مآلات المعارك في الميدان، تدور خلف الأبواب المغلقة في العاصمة الإدارية معركة من نوع آخر في ردهات الجهاز التنفيذي لحكومة الأمل بطلها التوقيع والختم، فلم تعد الخلافات بين رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس ووزير ماليته الدكتور جبريل إبراهيم مجرد وجهات نظر إدارية في حقيقة أمرها مواجهة مفتوحة تهدد بانهيار الترس المنظم لعمل الدولة، هذا التحقيق يغوص في عمق الأزمة، يحلل تقاطعات الصلاحيات خلف أبواب المكاتب المغلقة، حيث تشتعل مواجهة مكتومة للجهاز التنفيذي للدولة مما يطرح سؤالاً جوهرياً هل اختيار امل اسم للحكومة الحالية خطأ فحاملات الإسم ناقصات دين وعقل، والدين يقرنه الوطنية والعقل يقرنه القرارات، مما ينذر بصراع حول الصلاحيات المالية والرقابية والتخطيطية وإدارة الموارد في مرحلة حساسة، وضعت علامات استفهام كبرى حول منهجية اتخاذ القرارات في حكومة الامل.

أزمة كسر العظم صراع رئاسة الوزراء مع وزارة المالية

تحت هذا الرماد اندلعت أزمة إدارية بامتياز بين رئيس الوزراء ووزير ماليته، بدأت الملامح بقرارات إعفاء وتعيين مفاجئة، هذه التحركات لم تقرأ في الخرطوم كإجراءات إدارية روتينية، اعتبرت محاولة لـتحجيم نفوذ وزير المالية وتجريده من أدواته التنفيذية وهنا تكمن الخطورة فدكتور جبريل ليس مجرد وزير، بل هو قائد حركة موقعة على اتفاق جوبا للسلام.

هندسة الإقصاء بسلاح التخطيط

انتقلت شرارة المواجهة إلى ملف وكلاء الوزارات وهو العصب الفني للدولة، القضية تجاوزت الأشخاص إلى المؤسسات حينما قرر وزير المالية إعادة الدكتور بشار (وكيل التخطيط) لموقعه بعد إعفائه من رئيس الوزراء، اصطدمت بالمفاجأة الاستراتيجية بهندسة القرار بنقل صلاحيات التخطيط من وزارة المالية إلى مجلس التخطيط الاستراتيجي التابع لرئاسة الوزراء، خطوة لم تكن تنظيماً إدارياً بل عملية جراحية لقص أجنحة وزارة المالية وسحب الملفات التنموية والتمويلات الخارجية من تحت سلطته مما يعني عملياً شل قدرة الوزارة على رسم السياسات الاقتصادية الكلية بمحاولة تتبع وحداتها لرئاسة الوزراء، بسحب البساط الفني التخطيطي من تحت أقدام وزارة المالية.

الإطاحة بالدكتور سيف الدولة كوكو من مفوضية الضمان الاجتماعي

القرار نزل كالصاعقة على وزارة المالية بعد واقعة التخطيط، فالعرف الإداري والقانون المنظم يقضي بأن التعيين والإعفاء في هذه المواقع الحساسة يتم بتوصية من الوزير المختص، وهنا يوجد تجاوز لمكتب رئيس الوزراء لوزير المالية وتخطيه لوزير الموارد البشرية، تغولاً يفرغ منصب الوزير من محتواه السيادي ويحول الوزارات إلى مجرد سكرتارية لمكتب رئيس الوزراء.

تمرد الوكلاء والقانون الغائب

واقعة عكست مدى التردي الإداري في الحكومة السودانية برزت في قضية وكيل وزارة المالية عبد الله إبراهيم الذي رفض وزير المالية التجديد السنوي له واختار الوزير (الخبير مكي عبد الرحيم وكيل للوزارة) ورفض الوكيل عبدالله تسليم عهدته للوكيل الجديد مكي متدثراً بعباءة رئيس الوزراء(أعلن بوضوح أنه ينتظر قرار رئيس الوزراء) هنا نضع الإصبع على الجرح كيف يمكن لمرؤوس أن يرفض قرار رئيسه المباشر؟ فهل نحن أمام ظاهرة (الوكلاء العابرين للوزراء) بزرع ولاءات داخل الوزارات تتبع مباشرة لرئاسة الوزراء مما يخلق حكومة موازية داخل الحكومة الواحدة، هذا الوضع لا يكسر هيبة الوزير فحسب بل يكسر تراتبية الدولة السودانية التي صمدت لعقود.

فخ الإعلام وتجميل الواقع

توقف التحقيق عند الدور الذي لعبته بعض الصحف والمنصات الإعلامية التي تحاول تصوير الأزمة وكأنها سحابة صيف عابرة، فنشر أخبار عن توافق مزعوم بين الوزير ووكلائه ثبت بالدليل القاطع أنها كانت محاولات تخدير للرأي العام بينما كانت المراسلات الرسمية الغاضبة تطير بين المكاتب، هذا التضليل الممنهج يشير إلى وجود مطبخ إعلامي يعمل لصالح طرف ضد آخر لتسويق فكرة أن الوزير هو المعرقل بينما الرئيس هو المنقذ.

من يدفع الثمن؟

بعيداً عن صراع الكراسي سيؤثر ذلك داخلياً على المواطن، فشلل وتضارب القرارات يعطل ويؤخر صرف الميزانيات وتدفق المرتبات، بالإضافة الي هروب الكفاءات والخبراء مثل مكي عبد الرحيم، يجدون أنفسهم في بيئة طاردة ومسيسة، ودولياً فقدان الثقة الدولية فالمانحون والمؤسسات الدولية يراقبون هذا التخبط، مما يقلل فرص الحصول على دعم اقتصادي في ظل الحرب.

الطرف الثالث والحل المستحيل والسيناريوهات القادمة

تؤكد المعطيات أن هناك تياراً بيروقراطياً داخل مجلس الوزراء، يرى في وجود وزير مالية بظهير سياسي قوي (حركة العدل والمساواة) عائقاً أمام تمرير أجندات معينة.
السيناريو الأول: تدخل من مجلس السيادة لفض الاشتباك وإعادة ترسيم الصلاحيات.
السيناريو الثاني: تقديم وزير المالية لاستقالته، مما يعني تصدع الكتلة السياسية المساندة للحكومة.
السيناريو الثالث: استمرار حالة اللاحرب واللاسلم الإدارية وهو ما يعني انهياراً تدريجياً في أداء ما تبقى من مؤسسات الدولة.
السيناريو الرابع: تقديم رئيس الوزراء لاستقالته، مما يعني حل كافة الحكومة التنفيذية التي لا تعيش علي توافق، فمراراً تظهر شوائب طرفها مكتب رئاسة الوزراء ووزارة من الوزارات، والمواطن الآن يكثر السؤال عن الوزير الاعيسر الذي غاب عن المشهد الإعلامي منذ تولي د.كامل إدريس لرئاسة الوزراء وتعيين مستشارين إعلاميين.

بعد كسر أجنحة المالية هل يهدر اتفاق جوبا؟

يمثل اتفاق جوبا حجر الزاوية في استقرار الأقاليم، وخاصة دارفور. فالاتفاق منح الحركات المسلحة نسباً محددة (25% في مجلس الوزراء و40% في إقليم دارفور) فأن إضعاف مركز جبريل إبراهيم داخل الحكومة قد يفسر في دارفور على أنه انقلاب ناعم على مكتسبات الإقليم وتهميش لرموزه الموقعة على السلام، ولتنفيذ بنود الاتفاق بكافة تفاصيلها خاصة الترتيبات الأمنية وحقوق الإنسان، يتطلب تناغماً بين رئيس الوزراء والوزراء المنحدرين من الحركات المسلحة، وليس صداماً يؤدي إلى تآكل الثقة.

دور المجلس السيادي في فك الاشتباك

مع وصول العلاقة بين الرجلين إلى طريق مسدود وهو ما متوقع، ستتجه الأنظار نحو المجلس السيادي، بصفته الضامن الأساسي للسلام والمشرف على الأداء العام، يجد المجلس نفسه أمام مسؤولية كبرى:
– ترسيم الحدود: الفصل بين حق رئيس الوزراء في الإشراف على الجهاز التنفيذي، وحق الوزير في إدارة وزارته وفقاً لمقتضيات التخصص والكفاءة.
– حماية الشراكة: ضمان عدم تحول الرغبة في التكنوقراطية إلى أداة لإقصاء المكونات السياسية التي وقعت على السلام، مما قد يعيد البلاد إلى مربع النزاعات الجهوية.
– الإصلاح الجذري: إنهاء حالة فشل الخدمة المدنية التي سادت منذ بداية الحرب، واستبدالها بنظام مؤسسي يمنع الاستقواء بالمناصب

الخاتمة الوطن فوق المحاصصة

إن نجاح دكتور كامل إدريس يعتمد على قدرته على بناء حوار حقيقي وسلام اداري بتجاوز كسر العظم الإدارية، فالسودان  يئن تحت وطأة الحرب، لا يملك ترف المعارك الجانبية بين جنرالات الاقتصاد والإدارة. فهل يغلب الدكتور كامل إدريس والدكتور جبريل إبراهيم مصلحة الدولة على صراع النفوذ أم أن فتيل المواجهة قد اشتعل بالفعل ولا سبيل لإطفائه؟ وهل يستطيع المجلس السيادي لجم هذا التشاكس الإداري قبل أن يتحول إلى انفجار سياسي، أم أن طموح دائرة المركز ستطيح بآمال جوبا في الاستقرار؟ الأيام القادمة كفيلة بالإجابة، بين إصرار وزير المالية على ممارسة صلاحياته القانونية في اختيار طاقمه، وتوجه رئيس الوزراء نحو مركزة القرارات والتعيينات، يبقى الجهاز التنفيذي للدولة في حالة شلل بانتظار تدخل حاسم، أو انفجار قد يؤدي إلى إعادة تشكيل الخارطة السياسية للحكومة بالكامل، السؤال الذي يفرض نفسه الآن على طاولة الحوار الوطني: هل يحتمل السودان في ظروفه الراهنة صراع الأبراج العاجية في قمة الهرم الاقتصادي؟ ومن يملك المصلحة في تغذية هذا الخلاف العجيب؟!