في واقعة تجسد أسمى معاني الإصرار والتفاني، خطف المواطن الطيب أحمد الأمين، المعروف بلقب “دافيس”، المنحدر من قرية “عريك” بولاية النيل الأبيض، الأضواء مع ختام امتحانات الشهادة السودانية لهذا العام، محطماً رقماً قياسياً في الاستمرارية والمثابرة بالجلوس للامتحانات على مدى قرابة نصف قرن.

رحلة بدأت في الثمانينيات
بدأت علاقة “دافيس” مع امتحانات الشهادة السودانية قبل نحو 46 عاماً، وتحديداً في عام 1980 بمدرسة الدويم الشعبية. ورغم نجاحه المتكرر في عدة دورات، إلا أن طموحه كان يصطدم دوماً بعقبة المجموع الذي يؤهله لتحقيق حلمه الأكبر: دخول كلية الطب. هذا الشغف بالطب لم يكن مجرد رغبة في لقب علمي، بل نزعة إنسانية متجذرة لخدمة المرضى وتخفيف آلامهم.

تضحية من أجل الإنسانية
ويروي المقربون من “دافيس” مواقف تعكس تفانيه؛ حيث قبل ذات مرة العمل “ممرضاً” بمستشفى الرخاء بأمبدة ليشبع شغفه الإنساني، إلا أن هذا التفاني كلفه وظيفته، حين تجرأ على حقن مريض في حالة حرجة لإنقاذ حياته في غياب الطبيب المسؤول، وهو الموقف الذي عكس شجاعته الأخلاقية رغم مخالفته للوائح الإدارية.

رسالة إلى الشباب اليائس
وفي تصريح مؤثر رداً على سؤال حول سر استمراره في الجلوس للامتحانات رغم تقدمه في السن وصعوبة الدراسة الجامعية في هذه المرحلة، قال “دافيس”: **”لقد قنعتُ من دخول الجامعة، لكني أواصل الجلوس للامتحانات لأقدم مثالاً حياً لأبنائنا اليائسين من الدراسة والعلم، لأثبت لهم أن طريق المعرفة لا ينتهي بتقدم العمر”.**

مدرسة في الزهد والأخلاق
بعيداً عن قاعات الامتحانات، يُعرف “دافيس” في أوساط المثقفين السودانيين بزهده وبساطته، وهي الخصال التي جعلته مقرباً من قامات شعرية سامقة مثل الراحلين عمر الطيب الدوش ومحجوب شريف. ويستذكر أصدقاؤه مواقف تعكس حياءه ورقيّ أخلاقه، منها قضاؤه ليلة كاملة أمام باب أحد أصدقائه مفترشاً الأرض وملتحفاً السماء، رافضاً طرق الباب في ساعة متأخرة حتى لا يزعج أهل الدار، متحملاً وعثاء الطقس ومخاطر الليل.

أيقونة اجتماعية
اليوم، يتحول “دافيس” إلى أيقونة في منطقة “عريك” وفي وجدان كل من عرفه، ليس فقط كطالب أبدي في مدرسة الشهادة السودانية، بل كرمز للقيم السودانية الأصيلة التي ترفض اليأس وتُعلي من شأن العلم والإيثار. إنها سيرة رجل لم تكسره العقود، وظل وفياً لحلم النبل الإنساني حتى في أبسط صوره.