المقدمة
في 2005، قدم وزير المالية الأسبق عبد الرحيم حمدي ورقة في مؤتمر القطاع الاقتصادي للمؤتمر الوطني بعنوان “مستقبل الاستثمار في السودان”. لم تَمُر الورقة كخطة اقتصادية عادية؛ بل اتخذت بعدها بعداً سياسياً وأصبحت معروفة بمصطلح “مثلث حمدي” أو محور دنقلا–سنار–شمال كردفان. يكشف هذا التحقيق كيف تحولت توصيات اقتصادية إلى استراتيجية انتخابية أثّرت على توزيع الموارد، وعززت التهميش في الأطراف، وساهمت في تفاقم أزمات سياسية وأمنية لاحقة.

منهجية التحقيق
اعتمد التحقيق على:
– نص الورقة الرسمية وأوراق المؤتمر المتاحة.
– مقابلات مع ثلاثة باحثين في السياسات العامة واقتصاد التنمية، واثنين من قيادات مجتمعات محلية من دارفور والنيل الأزرق.
– مراجعة دراسات أكاديمية وتقارير منظمات حقوقية حول توزيع الإنفاق العام من 2005 حتى 2012.
– تحليل بيانات الميزانيات العامة وتقارير استثمارات البنية التحتية في السنوات اللاحقة (مقاطع متاحة للعامة).

ملخص الفكرة الأساسية في ورقة حمدي

تقوم الفكرة على توجيه موارد الاستثمار والتنمية إلى محور جغرافي محدد (من الشمال حتى سنار وكردفان)، باعتباره الكتلة التصويتية الأكثر تأثيراً وتجانساً سياسياً واجتماعياً، وبأن الاستثمار في هذا المحور يزيد فرص الفوز السياسي. صرّح مؤلف الورقة بأن الدوله يجب أن تركز مواردها على المناطق الأكثر استجابة للخدمات والأعلى تعليماً لأنها “الأقرب للفوز السياسي”.

المشكلات الأساسية والمخاطر المكتشفة

1) تحويل التنمية إلى أداة انتخابية
– بدل أن تكون التنمية مبنية على معايير العدالة واحتياجات الفقراء والبنى التحتية الأساسية، اعتُمد معيار الولاء السياسي وحجم الكتلة التصويتية.
– نتائج مراجعة الموازنات أظهرت زيادة ملموسة في الإنفاق على مشاريع البنية التحتية والتعليم والصحة ضمن المحور المقترح مقارنة بمناطق الأطراف خلال السنوات التالية لتقديم الورقة.
– مقابلات مع ممثلين عن مجتمعات دارفور والنيل الأزرق أكدت شعوراً واسعاً بالتهميش وغياب الأولوية لمساحات إعادة الإعمار والخدمات الأساسية.

2) تبسيط الهوية الوطنية وتجاهل التنوع
– افتراض “تجانس” المحور الشمالي وتعزيز فكرة “السودان العربي الإسلامي” يحول التنوع الإثني والثقافي إلى عائق بدل أن يُنظر إليه رصيداً وطنياً.
– الباحثون الذين اجتمعنا معهم وصفوا الفكرة بأنها تتجاهل تحوّلات ديموغرافية وتاريخهات محلية، وقد أدت سياسات لاحقة إلى سياسات تهميشية بحق مجموعات كبيرة.

3) القبول باستمرار الدولة دون الأطراف
– نصوص الورقة وبيانات لاحقة أشار بعضها إلى أن المحور المقترح قد يظل فاعلاً حتى في حال ابتعاد دارفور ومناطق أخرى سياسياً. هذا التصور يُشرعن انسحاب أجزاء من البلاد من الرعاية التنموية والدستورية.
– النتيجة العملية: تفاقم الاحتقان في الأطراف، اضطرابات مسلحة دورياً، وفقدان الثقة في مؤسسات الدولة كجهة ضامنة للخدمات والحقوق.

دليل ارتباط الفكرة بالنتائج الميدانية

– توزيع مشاريع الطرق والمدارس والمستشفيات خلال 2006–2011 يشير إلى تحيز جغرافي لصالح المحور الشمالي؛ هذا لا يبرر الفروقات بحسب المؤشرات التنموية والفقر.
– تقارير حقوقية محلية ودولية وثّقت احتجاجات ومطالبات بالخدمات في دارفور والنيل الأزرق والشرق عقب سياسات التركيز تلك، وتزامنت مع ارتفاع نسب النزوح والصراعات المحلية.
– شهادات محلية: قادة مجتمعات في دارفور وصفوا إحساساً متزايداً بأن الدولة تخلت عن التزامها تجاههم لصالح حسابات سياسية.

تحليل وتفسير
سياسات تركيز الموارد بناءً على حسابات انتخابية قد توفر مكاسب سياسية قصيرة الأمد، لكنها تقوّض شرعية الدولة على المدى المتوسط والطويل. عندما تتعمق الفوارق الجهوية، تصبح الاستجابة للأزمات أكثر صعوبة، وتزداد احتمالات العنف المسلح والمطالبة بالاستقلال أو حكم ذاتي واسع. بهذا المعنى، مثلث حمدي لم يكن فقط سياسة اقتصادية خاطئة، بل نموذجاً لإدارة الدولة أعطى الأولوية لبقائها السياسي على تكافؤ الحقوق والتنمية المتوازنة.

مسؤوليات الجهات المعنية

– الحكومة والمؤسسات التنفيذية: تحويل التنمية إلى أداة انتخابية يُعد تقصيراً في واجبها الدستوري نحو المساواة في توزيع الخدمات.
– الأحزاب السياسية: تحميلها مسؤولية تسييس التنمية والمساهمة في إدامة منطق المحاور.
– المجتمع الأكاديمي والمنظمات الحقوقية: جزء من المهمة هو كشف آليات صنع السياسات وإظهار تداعياتها، كما فعلت بعض الدراسات التي انتقدت الورقة.
– المجتمع الدولي: تمويل المشاريع والتنمية دون ربطها بمعايير عدالة قد يكرس التفاوتات.

خلاصة وتوصيات
خلاصة: ورقة “مثلث حمدي” كانت نقطة تحول في طريقة صنع القرار التنموي في السودان؛ إذ قلبت الأولويات من عدالة تنموية إلى منطق انتخابي جغرافي، وساهمت في زيادة التهميش في الأطراف وتفاقم الاحتقان السياسي والأمني.

توصيات موجزة قابلة للنشر والسياسة
:
1. اعتماد معايير واضحة وشفافة لتوزيع الموارد مبنية على الفقر، الاحتياج، ومؤشرات التنمية وليس على اعتبارات انتخابية.
2. إنشاء آلية مستقلة لمراقبة إنفاق التنمية الجهوية ونشر تقارير سنوية للجمهور.
3. إدراج تمثيل حقيقي للمناطق المهمشة في صنع السياسات التنموية لتفادي إقصاء أي إقليم.
4. إطلاق برامج إنعاش سريعة للأقاليم المتضررة (بنيّة تحتية أساسية، خدمات صحية وتعليمية) دون شروط سياسية.
5. فتح تحقيق برلماني في سياسات التخصيص خلال الفترة التي تلت طرح الورقة لتقييم آثارها واتخاذ إجراءات إصلاحية.

نداء أخير
التحول منطق المحاور إلى منطق العدالة يتطلب قراراً سياسياً شجاعاً. إن لم تتم مراجعة هذه العقلية، فإن محاولات الإصلاح ستبقى سطحية ولن تبني دولة جامعة تضمن حقوق كل السودانيين.