في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية الراهنة، يبرز موضوع الأجور في السودان كأحد القضايا الأكثر أهمية، حيث تنفذ الدولة اللبنات الأولى لموازنة عام 2026، مما يثير تساؤلات حول فلسفة الأجور التي تعتمدها. هل يجب أن تكون الرواتب مبنية على أساس القيمة الإنتاجية، المؤهل العلمي، والأقدمية، أم تتأثر بالظروف التي تفرضها الحرب؟
يتجلى الفارق الكبير بين واقع المعلم وعامل الخدمات النظامية، مما يستدعي التأمل العميق. فمعلم الدرجة الأولى الذي خدم في مجال التعليم لمدة 40 عاماً لا يتقاضى سوى 170 إلى 220 ألف جنيه، في حين قفز راتب “مساعد” في القوات النظامية إلى 724,309 جنيه. في حين يحصل معلم الدرجة التاسعة الحائز على بكاليوس على راتب 58,000 جنيه، بينما “الجندي” المستجد يتلقى 496,754 جنيهاً.
تحديات الحياة اليومية للمعلمين في السودان تتزايد، حيث يحتاج الفرد العادي إلى 1.6 مليون جنيه شهرياً لتغطية احتياجات الأسر الأساسية. وللأسف، يُظهر الوضع الاجتماعي أن المعلمين يواجهون عجزاً يتجاوز 90% في الاحتياجات الضرورية.
تحدث الحكايات الشخصية عن المعاناة المستمرة لأبطال التعليم، مثل الأستاذ محمد، الذي تحول عمله من التعليم إلى استخدام “الدرداقة” لنقل الخضروات. والأساتذة الذين يُجبرون على اتخاذ قرارات مؤلمة، مثل مريم التي تهتم بصحتها أو تأمين إيجار الغرفة.
وفي رسالة واضحة للمسؤولين، يُعتبر الاستثمار في المعلم أمن الوطن. إذ أن المعلم هو المدافع عن عقول المنشآت التعليمية في وجه التطرف والجهل. لذا، فإن رفع الحد الأدنى للأجور وصرف المتأخرات يجب أن يكون أولوية وطنية.
فإذا لم يُعطَ المعلم كرامته المالية، فلن تتمكن أي حكومة من أن تُحقق الاستقرار الاجتماعي أو تطوير المستقبل.
الوقت قد حان لإعادة النظر في سياسات الأجور، والتأكيد على ضرورة الكشف عن أجور المعلمين، وتوثيق هذه الجهود، لأن إنصاف المعلم حق وواجب وطني. التاريخ سيتذكر أولئك الذين أنصفوا المعلم ورفعوا من مكانته.
