د.مهند عثمان التوم
dr.mohaned@alankabootmedia.com

اتصفح بالأمس مكتبتي الإلكترونية فتحت ملف يتناول سحب الجنسية السودانية من(6) يهود كنت قد استعنت بها في كتابة بحث الماجستير(السياسة الأمريكية تجاه السودان) وكاتب العنكبوت كثيرا ما تناول مسألة العلاقات السودانية الإسرائيلية ومن المناديين لتطوير العلاقة بشكل رسمي طالما أنها تخدم السودان لارتباط معظم القضايا السودانية بطريقة مباشرة او غير مباشرة مع اسرائيل، وأكثر من موضع وضعت العلاقة بينهم أولوية خاصة من قبل الولايات المتحدة.
تعود جذور العلاقات السودانية الإسرائيلية إلى فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، شهدت تحولات مستمرة وتوترات متبادلة تعكس الصراعات الأوسع في المنطقة، ومن بين الأحداث البارزة التي تستحق التأمل يبرز قرار سحب الجنسية الذي اتخذه مجلس الوزراء السوداني في 9 يناير 1963، والذي يعتبر علامة فارقة في تاريخ العلاقات بين السودان وإسرائيل ويؤكد بأن هناك جذور لارتباطات عميقة بين شعبي الدولتين بسحب الجنسية السودانية عن ستة يهود هم جاك سليمان العيني، جاك إبراهيم سروسي، جبرائيل جوزيف تمام المعروف باسم (قابي) زكي جوزيف تمام، إلياس أصلان سروسي، وإدوارد أصلان سروسي،ويشير القرار إلى أن سبب هذا الإجراء استند إلى المادة (13/1) من قانون الجنسية السودانية لعام 1957 مما يعكس موقف الحكومة السودانية من الهوية والانتماء الوطني في سياق زمني مشحون بالتوترات السياسية.
ارجع القرار بناءً على تقرير سري ورد من السفارة السودانية في نيجيريا بتاريخ 23 ديسمبر 1962م ولم يكشف القرار عن مزيد من التفاصيل حول الأسباب المباشرة لسحب الجنسية، بعض المصادر وقتها أشارت إلى أن تقرير السفارة ذكر علاقات مشبوهة بين هؤلاء الأفراد والسفارة الإسرائيلية، مما يعكس قلق الحكومة السودانية من وجود تواصل قد يُعتبر تهديدًا للأمن القومي.

إن سحب الجنسية عن هؤلاء الأفراد لم يكن مجرد إجراء قانوني يحمل في طياته الأبعاد التقنية، فهو يمثل قرار سياسي بدلالات عميقة تؤشر إلى كيفية استجابة الحكومات العربية للصراعات الإسرائيلية العربية وللظروف السياسية المتغيرة، فالأحداث التي تزامنت مع هذه الفترة مثل النكبة والحرب العربية الإسرائيلية، شكلت السياق الذي جعل من هذا القرار جزء من الجهود الواسعة لتعزيز الهوية الوطنية ورفض أي تبعية أو ارتباط بالكيان الإسرائيلي.

ترتبط هذه القضية بمسألة الهوية والانتماء في السياق السوداني، يعكس قرار سحب الجنسية الجهود الحكومية لتأكيد السيادة والوحدة الداخلية في زمن تزايدت فيه الضغوطات الخارجية، على الرغم من أن هذه العلاقات تعود إلى عقود مضت إلا أن آثارها لا تزال تتردد في أوساط المجتمع السوداني مما يبرز الحاجة إلى فهم التاريخ بشكل شامل.

اليوم تتجه الأنظار مجدداً إلى احتمالات التطبيع بين السودان وإسرائيل خاصة بعد اهتمام إدارة ترامب بقضايا السودان، مما يجعل من الضروري مراجعة تجارب الماضي واستخلاص الدروس اللازمة لضمان عدم تكرار الأخطاء التاريخية، عبره يمكن للمجتمعات السودانية التوجه نحو علاقات أكثر إيجابية قائمة على الاحترام المتبادل والفهم المشترك، الأمر الذي يعد خطوة مهمة.
تبقى ذاكرة الأحداث التاريخية مثل سحب الجنسية في عام 1963م عالقة في الأذهان، وتعتبر بمثابة تذكير دائم بأن العلاقات الدولية ليست فقط نتاج قرارات سياسية بل شديدة التعلق بالمشاعر البشرية وحب الانتماء والرغبة في السلام.العلاقات السودانية الإسرائيلية وسحب الجنسية ذاكرة في التاريخ المعاصر