ياسرمحمدمحمود البشر
*بينما يلف غبار المعارك مدن السودان وتتقدم القوات المسلحة فى محاور القتال المختلفة فى ظل تراجع المليشيا وتقهقرها وعندما تتوارى أخبار الميدان خلف ضجيج المدافع بصورة متعمدة بغرض تحقيق اكبر قدر من الإنتصارات بعيدا عن اعين الآلة الإعلامية يبرز سؤال أكثر إلحاحاً ومصيرية من نتيجة المعركة نفسه أى شعب سيخرج من تحت هذا الرماد؟ وهل ستصمد أواصر السودانوية أمام اختبار الدم والنزوح أم أن الحرب قد أحدثت شروخاً فى النسيج الاجتماعى لا يمكن رتقها؟*
*حين تذوب الفوارق فى مراكز النزوح لم تكن حركة النزوح المليونية مجرد انتقال من خطر إلى أمان بل كانت هجرة قسرية كشفت السودانيين لبعضهم البعض من جديد في مراكز الإيواء بمدن مثل بورتسودان ودمدنى والقضارف والدمازين وكسلا وعطبرة وغيرها من مدن السودان التى تسيطر على مليشيا الدعم السريع وتلاشت الخرطوم المتخيلة التي كانت تُتهم بالاستعلاء وانصهرت المكونات القبلية والجهوية في تكيّة واحدة وهذا التلاحم لم يكن بروتوكولياً بل كان تضامناً غريزياً أثبت أن التقبل الشعبي يسبق دائماً الخطاب السياسى*
*إن مشهد تقاسم الرغيف والزاد والملفحة والغطاء بين نازح من دارفور ومستضيف من الشمال هو الرد العملى الأقوى على كل دعوات التشظى وإبطال لمفعول خطاب الكراهية اللغم المزروع فى طريق العودة بيد أن الصورة ليست وردية بالكامل فالصحافة الحقة تستوجب تسليط الضوء على المناطق المعتمة لقد أفرزت الحرب خطاباً تحريضياً غير مسبوق على منصات التواصل الاجتماعى حاول استغلال الجراح لضرب المكونات الاجتماعية ببعضها فى ظل الاستقطاب الحاد وتصنيف المواطنين بناءً على انتماءاتهم القبلية أو الجغرافية يمثل التحدي الأكبر لعملية التقبل ما بعد الحرب فالحروب تنتهي بالاتفاقات لكن القلوب لا تلتئم بالمعاهدات هي بحاجة إلى عدالة انتقالية اجتماعية تبدأ من الاعتراف بالآخر وحقه فى المواطنة الكاملة دون تخوين أو إقصاء مما يتطلب الإهتمام بجيل الصدمة برعاية كاملة من مهندسى العقد الاجتماعى الجديد المتأمل فى المبادرات الطوعية وغرف الطوارئ يلحظ بروز فاعل اجتماعي جديد المتمثل فى الشباب المغرر بهم ايام الهياج الثورى هؤلاء الذين وجدوا أنفسهم وجهاً لوجه أمام مسؤولية إطعام وكساء وتطبيب مجتمعاتهم تجاوزوا في ممارساتهم عقدة المركز والهامش*
*هذا الجيل يرى فى التقبل ضرورة وجودية لا رفاهية فكرية بالنسبة لهم الحرب قد أسقطت المفاهيم القديمة بكل عيوبها مما يمنحهم فرصة تاريخية لبناء عقد اجتماعي من أسفل إلى أعلى حيث تكون المواطنة هى المعيار والعيش المشترك هو الغاية ويبقى رهان المواطنة أو التلاشى إن تقبل السودانيين لبعضهم البعض فى مرحلة ما بعد الحرب ليس مجرد خيار أخلاقى بل هو طوق النجاة الوحيد من الصوملة أو التفتت إن القبول بالآخر يعنى بالضرورة الاعتراف بتعددية هذا الوطن وتحويل التنوع من وقود للصراع إلى “رصيد للإعمار*
نــــــــــــــــص شــــــــــــوكة
*ستصمت المدافع يوماً لكن معركة ترميم الوجدان ستظل هي الاختبار الحقيقى للشعب السودانى*
ربــــــــــــــــع شــــــــــــوكة
*ويبقى السؤال هل سينجح السودانيين فى إمتحان وحدة الهوية السودانية فى سودان ما بعد الحرب أم لا؟*
yassir. mahmoud71@gmail.com
