تحقيق: عبدالرحمن محمـــد فضــل
amff95@yahoo.com
على امتداد التاريخ الإنساني تشتعل الحروب ثم تنطفئ، وتندلع الصراعات ثم تتهاوى تتغير ملامح الجغرافيا وتتناوب الأمم على القوة والضعف… لكن الحقيقة الثابتة أن السلام هو الأصل وأن الحرب طارئة مهما طال ليلها أو اشتد نزيفها. فمسيرة الحياة لا تتوقف، والإنسان لا يكفّ عن النهوض بعد كل عثرة كما تتعافى الأرض بعد كل عاصفة.

وفي السودان، هذا الوطن العزيز الذي أثقلته الجراح وتكالبت عليه الفتن، يبقى الأمل حيًا بأن السلام قادم لا محالة، وأن الحرب — مهما امتد ظلها — ستضع أوزارها، وأن الشعب السوداني الذي صمد أمام الكوارث والتحولات سيصمد اليوم أيضًا أمام من أراد به سوءًا. سيهزم المتربصون به، وسينهض كما نهضت الشعوب عبر التاريخ؛ لأن إرادة الحياة أقوى من نيران الحرب، ولأن أوطانًا كالسودان لا تموت.

ومن روح هذا الإدراك العميق لمسيرة الإنسانية، تنطلق صفحات هذا التحقيق لتفتح بابًا آخر على التاريخ… تاريخ البشرية الأولى. فكما تتقلب الأيام بين حرب وسلام، تتقلب القرون بين رسالات الأنبياء، وتروي لنا الأحاديث النبوية والآثار المعتبرة جزءًا من هذا الامتداد الزمني منذ أن وطئت قدم آدم عليه السلام الأرض، وحتى ختام النبوة بمحمد صلى الله عليه وسلم.

كيف تشكَّل الزمن الأول للبشرية؟

كيف بدأ الإنسان رحلته على الأرض؟ ومتى تشكّل الزمن الأول للبشرية؟
أسئلة تتردد عبر العصور، وتفرض نفسها بقوة كلما تجدد الجدل حول تاريخ الحضارات القديمة، وعمر الوجود الإنساني، وحدود ما نعرفه من الروايات الدينية.

وفي الإسلام، تمثل السنة النبوية والآثار الواردة عن الصحابة والتابعين مصدرًا محوريًا لرسم الخط الزمني بين الأنبياء، من آدم عليه السلام وحتى محمد صلى الله عليه وسلم. ورغم أن النصوص الصحيحة في هذا الباب قليلة، فإن ما ثبت منها يقدّم إشارات مهمة حول المدد الزمنية التي تفصل بين الرسالات، ويضع إطارًا عامًا لفهم الامتداد التاريخي للبشرية.

ألف عام بين آدم ونوح… رواية صمدت أمام النقد

من أشهر الروايات ما رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما:
«كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام.»

وقد صححها الحاكم ووافقه الذهبي، واعتمدها كبار المفسرين باعتبارها أقوى ما ورد في تحديد بدايات الزمن البشري. ويرى العلماء أن القرن يساوي مئة عام، ما يعني أن الفترة بين آدم ونوح تقارب ألف سنة عاش خلالها الإنسان على الفطرة قبل أن يظهر الشرك.

ويقول الباحث في علوم الحديث د. أحمد السالمي:
“هذه الرواية تمثل مدخلًا مهمًا لفهم الطور الأول للبشرية، وتؤكد أن الانحراف العقدي لم يظهر إلا بعد أجيال متتابعة من أبناء آدم.”

بين نوح وإبراهيم… غياب النصوص ووفرة التأويل

لا توجد أحاديث صحيحة تحدد المدة بين نوح وإبراهيم عليهما السلام. وما نقل عن بعض السلف — مثل قتادة — لم يصمد أمام النقد الحديثي.

لكن المؤرخين يستندون إلى سلاسل الأنساب والتقاليد التاريخية ليقدّروا أن الفترة كانت طويلة ومعقدة، شهدت نشوء حضارات وتحولات كبرى.

ويقول أستاذ التاريخ الإسلامي، د. حسن العابد:
“الفجوات الزمنية بين هذين النبيين تعكس غياب النص القاطع، لكنها تكشف مرحلة تاريخية واسعة سبقت ظهور إبراهيم كأحد أعظم رموز التوحيد.”

ستمائة سنة بين موسى وعيسى… نص حسن يضيء الطريق

تحمل السنة النبوية نصًا واضحًا في هذا الباب:
“بين موسى وعيسى ستمائة سنة.”

وهو حديث حسن صححه عدد من أهل العلم، ويتسق مع تقديرات أهل الكتاب حول الفترة بين التوراة والإنجيل.

وتشير الباحثة في مقارنة الأديان، د. ميادة عبد الباري، إلى أن:
“الحديث يمنح المؤرخين نقطة ارتكاز مهمة لفهم تطور الرسالات في مرحلة ما قبل الميلاد.”

من عيسى إلى محمد… انقطاع النبوة وستمائة عام من التحول

يؤكد النبي صلى الله عليه وسلم:
“ليس بيني وبينه نبي.”

وقد استمر هذا الانقطاع نحو 600 سنة شهد فيها العالم تحولات هائلة: سقوط ممالك، وصعود أخرى، وتغيّر موازين القوى، حتى جاءت الرسالة الخاتمة لتعيد ضبط بوصلة التوحيد.

مسار زمني محدود النصوص… واسع الدلالة

تكشف النصوص عن أن المحفوظ الصحيح قليل، لكن إشاراته واضحة:

1000 سنة تقريبًا بين آدم ونوح

فترة غير محددة بين نوح وإبراهيم

600 سنة بين موسى وعيسى

نحو 600 سنة بين عيسى ومحمد

مددٌ تشكل رحلة إنسانية امتدت آلاف السنين، تعرّض فيها التوحيد للاندثار والعودة مرات، وبقيت رسالة الأنبياء واحدة في جوهرها.

خاتمة التحقيق

رغم محدودية الروايات القطعية في رسم التسلسل الكامل لتاريخ البشرية، إلا أن ما ورد في الأحاديث النبوية والآثار المعتبرة يمنح تصورًا عامًا لمسار الأنبياء عبر الزمن. إنه تاريخ لا تُقاس دقته بعدد السنوات، بل بوحدة الرسالة التي حملها الأنبياء جميعًا…
رسالة التوحيد، من آدم إلى محمد صلى الله عليه وسلم، نورٌ لا تطفئه حرب، ومسارٌ لا يقطعه صراع، ورحلةٌ باقية ما بقيت الحياة.