ليس أصعب على الأوطان من الحروب إلا أن تنتهي الحروب وتبقى أسبابها حاضرة في النفوس والعلاقات والسودان اليوم بما يعيشه من معاناة إنسانية واقتصادية واجتماعية يقف أمام اختبار تاريخي: هل نستسلم للانقسام أم نحول المأساة إلى بداية جديدة؟ إن المصالحة الوطنية ليست مجرد لقاءات سياسية أو اتفاقيات تُوقَّع بل إرادة حقيقية تعيد بناء الثقة، وتنصف المتضررين وتحفظ الحقوق وتمنع تكرار المأساة فالمصالحة لا تعني نسيان الماضي أو تجاوز العدالة وإنما تعني مواجهة الحقيقة وجبر الضرر، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وفق القانون، وفتح الطريق أمام تعايش آمن يحفظ كرامة الجميع و أن السودان أكبر من خلافات أبنائه وتنوعه الثقافي والاجتماعي ينبغي أن يكون مصدر قوة لا سبباً للصراع ولذلك فإن بناء المستقبل يبدأ بترسيخ المواطنة المتساوية ورفض خطاب الكراهية والإقصاء والإيمان بأن الوطن ليس ملكاً لفئة دون أخرى بل مسؤولية مشتركة بين جميع أبنائه كما أن المصالحة السياسية مهما بلغت أهميتها لن تكتمل دون مصالحة مجتمعية تصل إلى القرى والأحياء ومناطق النزوح وتشارك فيها الإدارات الأهلية والمرأة والشباب والقيادات المجتمعية وتعيد الثقة بين الناس ولا يمكن الحديث عن سلام مستدام بينما يعاني المواطنون الجوع والنزوح وفقدان الخدمات فحماية الناس وإعادة الخدمات الأساسية وتهيئة الظروف لعودة النازحين واللاجئين بصورة آمنة وطوعية وكريمة كلها أولويات ترتبط مباشرة باستعادة الاستقرار كذلك فإن أي حوار وطني جاد ينبغي أن يعالج جذور الأزمة ويؤسس لدولة القانون والعدالة ويضمن المشاركة العادلة في السلطة والثروة ويجعل الكفاءة والمواطنة أساساً لتولي المسؤولية يحتاج السودان إلى من يفرض إرادته بالنظر إلى الوطن مقدم على كل شئ وعلى الجميع أن يقدر ذلك بل يحتاج إلى مشروع وطني ينتصر فيه الجميع للوطن فالسؤال ليس من ينتصر إلى هذا الهدف؟ بل: كيف نمنع تكرار الحرب ونستعيد الثقة ونبني دولة تحمي مواطنيها وتصون كرامتهم؟
من القول إلى الفعل… ماذا نفعل الآن؟
الخطوة العملية تبدأ بتشكيل لجنة وطنية مستقلة ومقبولة من الأطراف والمجتمعات المتضررة تتولى إعداد خارطة طريق للمصالحة بجدول زمني واضح تبدأ بالأولويات الإنسانية وتفتح مسارات للحوار المجتمعي وتضع آليات موثوقة لتوثيق الانتهاكات وجبر الضرر وصولاً إلى حوار وطني شامل وإصلاح مؤسسات الدولة ويُرافق ذلك إنشاء لجان مصالحة محلية في الولايات والمحليات تضم ممثلين عن المجتمعات المتنوعة والنساء والشباب مع نشر تقارير دورية عن الإنجاز والتحديات وإتاحة المشاركة والرقابة المجتمعية.
إن المصالحة لا تبدأ عندما يتفق الجميع على الماضي بل عندما يقررون ألا يجعلوا خلافاتهم سبباً لتدمير المستقبل السودان يستحق سلاماً عادلاً ومواطنيه يستحقون حياة كريمة والفرصة ما زالت قائمة متى تحولت الإرادة الوطنية إلى خطوات عملية ومسؤولية مشتركة.