بقلم: أحمد عمر
القاهرة – 29 أغسطس/ آب 2026
قد تبدو في ظاهرها مناقصة فنية لإنشاء مركز بيانات متطور للذكاء الاصطناعي في مصر، لكن القراءة المتأنية لتفاصيلها تكشف عن حلقة جديدة في صراع جيوسياسي وتكنولوجي أوسع بين القوتين العظميين؛ الولايات المتحدة والصين.
تجد مصر نفسها اليوم في قلب هذا التنافس، حيث قدمت شركة “هواوي” الصينية عرضاً رسمياً للحكومة المصرية لإنشاء بنية تحتية للحوسبة بالذكاء الاصطناعي، تعتمد على أكثر من ألفي رقاقة متقدمة من إنتاجها. في المقابل، وتماشياً مع سياسة احتواء التمدد التكنولوجي الصيني، تسعى إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب – وفقاً لوثائق اطلعت عليها “بلومبرغ” – لحشد تحالف من الشركات الأمريكية لتقديم عرض منافس.
وحتى لحظة إعداد هذا التقرير، لم تعلن الحكومة المصرية عن موقفها النهائي تجاه أي من العرضين.
جوهر المشروع وأهميته التنافسية
يتضمن العرض الصيني توريد نحو 2000 رقاقة من سلسلة “Ascend” (بين طرازي 950 و910B)، مخصصة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي وتشغيل تطبيقات “الاستدلال”، مع تعهد بتنفيذ البنية التحتية خلال 12 شهراً.
ويرى الخبراء أن الصفقة تتجاوز البعد التجاري؛ فبالنسبة لـ “هواوي”، يمثل هذا المشروع اختباراً جوهرياً لقدرتها على تصدير تقنياتها المتقدمة إلى خارج الصين في ظل القيود الأمريكية الصارمة.
في المقابل، تضع واشنطن نصب أعينها “السيادة الرقمية” والأمن القومي، حيث حذرت الإدارة الأمريكية من أن استخدام رقائق “هواوي” دون موافقة مسبقة قد يعرض الجهات المتعاملة معها لعقوبات، خاصة في ظل القيود التي فرضتها واشنطن منذ عام 2023 على شحنات الرقائق المتقدمة إلى دول معينة.
“مركز بيانات الذكاء الاصطناعي”.. أكثر من مجرد خوادم
يوضح الدكتور محمد عسكر، استشاري نظم المعلومات والأمن السيبراني، أن مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي ليست مجرد مخازن رقمية، بل هي “مصانع حوسبة” متكاملة تضم وحدات معالجة فائقة السرعة، ضرورية لتدريب النماذج اللغوية والمعرفية.
ويضيف محمد عزام، عضو مجلس إدارة الجمعية الدولية لإدارة التكنولوجيا، أن المشروع يندرج تحت تصنيف “مراكز البيانات فائقة النطاق” (Hyperscale)، مما يعني قابلية توسيع قدراتها الحاسوبية بمرونة مع نمو الطلب.
ويؤكد الخبراء أن وجود مثل هذه المنشآت داخل مصر يحمل أبعاداً استراتيجية:
- تقليل الاعتماد: خفض الحاجة لخدمات الحوسبة السحابية الأجنبية.
- تمكين الكوادر: توفير بنية تحتية للجامعات والشركات الناشئة والمؤسسات الحكومية لتطوير تطبيقات محلية.
- السيادة الرقمية: تعزيز السيطرة الوطنية على البيانات الحساسة (الحكومية، الصحية، والمالية).
لماذا تبرز مصر كوجهة لهذا التنافس؟
تتقاطع العوامل الجغرافية والاقتصادية لتجعل مصر ساحة جذب رئيسية. يشير المحللون إلى أن الجمع بين الكثافة السكانية، والموقع الجغرافي الذي يربط القارات، والبنية التحتية للاتصالات التي تمر عبرها كابلات بحرية دولية، يمنح مصر ميزة تنافسية كقاعدة إقليمية لتقديم خدمات الحوسبة لأفريقيا والشرق الأوسط.
وتأتي هذه التطورات في سياق تعميق الشراكة التكنولوجية بين القاهرة وبكين، والتي شهدت توقيع عدة اتفاقيات في قطاع تكنولوجيا المعلومات وتصميم الشرائح والذكاء الاصطناعي منذ سبتمبر/أيلول 2024، في إطار علاقات اقتصادية يبلغ حجم تبادلها التجاري نحو 17 مليار دولار.
أفق الصراع التكنولوجي
بينما تسيطر الولايات المتحدة والصين معاً على حوالي 90 في المئة من قدرات الحوسبة العالمية للذكاء الاصطناعي، يرى الباحث أحمد صلاح من جامعة جورج تاون، أن واشنطن تهدف من تحركاتها إلى “الحد من انتشار التكنولوجيا الصينية”، بينما تسعى بكين لتقديم نفسها كـ “مورد بديل” للدول الطامحة لبناء قدراتها الرقمية.
ومع اقتراب جولة جديدة من الحوار الأمريكي-الصيني بشأن الذكاء الاصطناعي في سبتمبر/أيلول المقبل، تترقب الأوساط التقنية والسياسية ما إذا كانت المناقصة المصرية ستكون مجرد عقد تجاري، أم ستتحول إلى مؤشر على مسار التوازنات التكنولوجية العالمية في المنطقة.
