بقلم: وحدة التحقيقات في “العنكبوت ميديا”
منذ تلك اللحظة التاريخية في الأول من يناير 1956، حين رُفع علم الاستقلال في سماء الخرطوم ليعلن ولادة جمهورية السودان، دخلت البلاد في رحلة بحث مضنية عن صيغة للحكم تستوعب تنوعها وتاريخها. وعلى مدى سبعة عقود، لم تستقر بوصلة السودان على حال؛ إذ ظلت البلاد أسيرة لسيناريو متكرر، تتناوب فيه فصول الديمقراطية القصيرة مع فترات الحكم العسكري الطويلة، مما خلق حالة من القلق المزمن في نفوس السودانيين، الذين ظلوا يترقبون فجر الدولة المدنية المنشودة دون أن تشرق شمسه بالكامل.
بدأت الرحلة مع إسماعيل الأزهري، الزعيم الوطني الذي قاد البلاد في بواكير الاستقلال، حيث كانت الفترة الأولى تجسيداً لأحلام جيل الاستقلال في بناء دولة مؤسسات قائمة على التعددية الحزبية. ولكن سرعان ما اصطدمت هذه التجربة الناشئة بواقع الهشاشة السياسية والتجاذبات التي أعاقت استمرار الاستقرار، مما فتح الباب أمام أول تدخل عسكري مباشر في نوفمبر 1958 بقيادة الفريق إبراهيم عبود. لقد مهدت تلك اللحظة الطريق لما صار يُعرف لاحقاً بـ “متلازمة الحكم العسكري“، حيث استمر نظام عبود ست سنوات، حاول خلالها فرض الاستقرار عبر التنمية العمرانية والمركزية الصارمة، إلا أن القمع السياسي والقبضة الأمنية أدت في النهاية إلى انفجار “ثورة أكتوبر 1964″، التي سُجلت كأول ثورة شعبية في المنطقة تطيح بنظام عسكري، ليعود الأزهري مجدداً إلى سدة الحكم حاملاً آمال استعادة الروح الديمقراطية.
لكن الأحلام لم تدم طويلاً، ففي الخامس والعشرين من مايو 1969، برز اسم العقيد جعفر نميري الذي قاد انقلاباً أعاد صياغة وجه البلاد بالكامل، ليحكم السودان بقبضة قوية امتدت ستة عشر عاماً. اتسمت حقبة “مايو” بتقلبات أيديولوجية حادة؛ فمن التحالف مع القوى اليسارية في بدايات العهد، إلى التحول الجذري نحو الغرب، وصولاً إلى إعلان قوانين الشريعة في أواخر أيامه. كانت تلك الحقبة مرآة للتحولات العميقة التي شهدتها المنطقة، وانتهت بـ “انتفاضة أبريل 1985″، التي منحت السودان لحظة استثنائية في التاريخ العربي والأفريقي، حين سلم الفريق عبد الرحمن سوار الذهب السلطة للمدنيين طواعية بعد عام انتقالي واحد، ليفتح الباب أمام تجربة ديمقراطية جديدة قادها أحمد الميرغني، ولكنها ظلت تجربة تترنح تحت وطأة الأزمات الاقتصادية والاضطرابات السياسية.
لم تكن تلك التجربة الديمقراطية قدرها أن تستمر، ففي الثلاثين من يونيو 1989، وقع الانقلاب الذي غير مسار السودان المعاصر تماماً، حيث تولى عمر حسن أحمد البشير السلطة بتحالف مع الجبهة الإسلامية القومية، مدشناً أطول فترة حكم في تاريخ السودان الحديث. شهدت هذه العقود الثلاثة أحداثاً جساماً، بدأت بتمكين المشروع الأيديولوجي وتوسعت لتشمل انفصال جنوب السودان في 2011، ودخول البلاد في عزلة دولية خانقة بسبب العقوبات الاقتصادية، فضلاً عن الحروب الأهلية المنهكة في دارفور ومنطقتي النيل الأزرق وجنوب كردفان، مما أدى إلى تآكل البنية التحتية والنسيج الاجتماعي للبلاد، وانتهت هذه الحقبة العاصفة بـ “ثورة ديسمبر” المجيدة، التي أسقطت البشير في أبريل 2019 بعد احتجاجات شعبية صمدت لأشهر في ميادين العاصمة والأقاليم.
اليوم، يقف السودان تحت قيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان في قلب مرحلة انتقالية هي الأكثر تعقيداً في تاريخه، حيث يختلط طموح التغيير المدني بواقع الانقسامات العميقة بين المكونات السياسية والعسكرية. إن المشهد الراهن لا يعبر فقط عن أزمة حكم، بل هو اختبار وجودي للبلاد؛ إذ يواجه السودان تحديات تتعلق بسلامة مؤسساته وصياغة عقد اجتماعي جديد بعيداً عن دوامات الانقلابات التي أضاعت عقوداً من التنمية.
إن التتبع التاريخي لمسيرة الحكم في السودان منذ الأزهري وصولاً إلى البرهان يكشف بوضوح عن وجود “دائرة مغلقة” تجبر الدولة دائماً على البدء من نقطة الصفر؛ ديمقراطية هشة تتعثر بالأزمات، فتأتي العسكرة لتعيد ترتيب المشهد بقوة السلاح، ثم تهب الرياح الشعبية لتقتلع النظام، ليعود الجميع إلى المربع الأول. والسؤال الذي يظل معلقاً في وجدان الشعب السوداني اليوم: هل يمتلك السودان أخيراً الإرادة لكسر هذه الدائرة، أم أن التاريخ سيظل يعيد إنتاج نفسه بصيغ وأسماء جديدة، في انتظار لحظة استقرار حقيقية تضع مصلحة الوطن فوق صراعات النخب؟
العنكبوت ميديا – نبض الواقع وتحليل المستقبل
