د. مهند عثمان التوم

في قلب إفريقيا  حيث ملتقى رمال الصحراء الكبرى بمراعي السافنا الغنية ومن سلسلة جبل مرة ، يعتبر إقليم دارفور كشاهد حي على تمازج الحضارات وتفاعل الثقافات، الإقليم لم يكن مجرد مساحة جغرافية كان مسرحاً لممالك قديمة ضاربة في القدم كـالداجو والتنجر والفور، ومع دخول الإسلام واللغة العربية، خضع الإقليم لتحول جذري لم يقتصر على العقيدة فحسب بل أعاد تشكيل البنية الإدارية والاجتماعية والسياسية ليخلق كياناً هجيناً وفريداً في تكوينه، يعرف بإقليم دارفور الذي تشغل مساحته خمس ولايات اخذت الاتجاهات المقرونة بدارفور

من فورانق برو إلى دارفور جغرافيا اللغة وسلطة التسمية

لم تكن اللغة العربية في دارفور مجرد وسيلة للتواصل، بل كانت أداة لـ أعادة تسمية الوجود، إن مصطلح (دارفور) بحد ذاته هو كلمة عربية خالصة تعني (بلاد الفور) وهي تعريب دقيق للمصطلح القديم بلغة الفور (فورانق برو) هذا التحول لم يكن لسانياً فحسب كان إعلاناً سياسياً عن دخول الإقليم في طور الدولة السلطانية المنظمة، حين أعلن السلطان سليمان سولنج في عام 1640م الإسلام ديناً رسمياً للسلطنة، مثل ذلك نقطة انعطاف كبرى حيث غدت العربية لغة التدوين والكتابة الرسمية واكتست مسميات المناصب والوظائف بـالحلّة العربية التي منحتها شرعية قانونية ودينية جديدة.

تعريب الإدارة: من أبا كوري إلى السلطان

تغلغلت العربية في النسيج الإداري للسلطنة بشكل مذهل، محولة المسميات المحلية إلى مصطلحات ذات أبعاد إسلامية وعربية شاملة. فمنصب (أبا كوري) تم تعريبه ليصبح (السلطان) وهو ما نقل الحاكم من إطار الزعامة القبلية إلى فضاء الخلافة والسلطنة بمرجعيتها الكونية، كذلك تحول منصب (الكيسو) إلى (الشرتاي) وهو اشتقاق عربي من كلمة (شرطي) ليدل على ممثل قانون السلطان وهيبة الدولة في الحاكورة، أما منصب (ديلمونج) فقد استحال إلى (العمدة) ليتوائم مع النظم الإدارية السائدة في العالم الإسلامي آنذاك.
ولم يتوقف الأثر عند الشكل الإداري نفذ إلى جوهر الحكم والتشريع دمجت السلطنة الأعراف المحلية مع الشريعة الإسلامية فيما ُرف بـ(قانون دالي) الذي نص في بعض بنوده على تنظيم دقيق للعقوبات والديات واضعاً أسساً عدلية صارمة جامعة بين أحكام الشرع وأعراف البلاد بما يحفظ الدماء والأموال، وقد سجل الرحالة محمد بن عمر التونسي في كتابه الشهير (تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان) انطباعاته عن دقة هذا التنظيم الإداري والعدلي واصفاً مجتمع دارفور بأنه مجتمع مدني منظم يمتلك تقاليد راسخة في القضاء والبروتوكول السلطاني.

مقدومية العرب لتركيز وتثبيت دعائم السلطنة

شهدت دارفور بعد انهيار الأندلس هجرة للقبائل العربية، وقد قام سلطان دارفور بمنح بعض القبائل العربية حواكير مثل(التعايشة والبني هلبة والهبانية والرزيقات) في الحدود الجنوبية لدارفور، وقام بإنشاء مقدومية العرب وعين المقدوم سندكة فافو البلول وهو من قبيلة البني هلبة فرع بني لبيد، مقدوم لكل العرب في دارفور الذين يربون الأبقار ويرعونها، وبعد استعمار دارفور من قبل الانجليز تم تفكيك هذه المقدومية تلبية لبعض زعماء القبائل الذين أثروا التعامل المباشر مع المستعمر الانجليزي، وكان اخر مقدوم هو هارون يوسف سندكة الذي يرتبط بصلة قرابة من ناحية والدته للسلطان علي دينار، ونشير علي أن مقدومية العرب هي المقدومية الوحيدة التي سمح لها بامتلاك نحاس خاص بها غير نحاس السلطنة.

الحواكير عبقرية المصطلح في إدارة الأرض

يبرز مصطلح الحاكورة كأحد أعمق الآثار العربية في دارفور والكلمة مشتقة من (الحكر) في اللغة العربية لكنها في دارفور تجاوزت المعنى اللغوي لتصبح نظاماً دقيقاً لملكية الأرض، فالحاكورة ليست مجرد قطعة أنها وحدة سياسية وإدارية واقتصادية ذات حدود معلومة توثق بأوامر سلطانية مكتوبة بالعربية ومختومة بـالمسمار (ختم السلطان) هذا النظام مثل صمام الأمان للاستقرار المجتمعي ومنع النزاعات حول الموارد عبر قرون من الزمان.

طبقات التاريخ آثار اليهودية والمسيحية قبل المد العربي

يكشف التتبع التاريخي أن دارفور لم تكن معزولة عن الديانات الكتابية قبل وصول الإسلام، وتظهر آثار اليهودية في تراث عماليق التورا (حملة التوراة) في جبل مرة، وتحديداً في منطقة “تورانق تونقا” (أسلاف الفور الحاليين) فهناك ثمة ممارسات ثقافية لا تزال تشي بذاكرة قديمة مثل (الكروبيم) وهو تصميم (القطية) بقاعدتها التي تشبه خاتم سليمان وأغاني (ليلا) التي تشبه المزامير وتردد في ظواهر الخسوف والكسوف، أما المسيحية فقد تركت بصماتها قبل أن يمحوها الزمن إذ يروى أن السلطان تيراب بنى تسعة وتسعين مسجداً على أنقاض كنائس قديمة، ولا يزال مصطلح (كنوسا) المشتق من الكنيسة يستخدم في دارفور لوصف بعض الطقوس غير المفهومة في دارفور.
وحتى اليوم تعكس أسماء الأبناء في دارفور (آدم، إبراهيم، موسى، عيسى، داؤود، سليمان، نوح، يوسف، هارون، داؤد وغيرها من الأسماء) وهي أسماء يهودية حافظت على حضورها بقوة داخل دارفور فندر أن تجد شخص بدارفور لا يحمل إسمه الرباعي إسم نبي.

ضرورة إعادة كتابة التاريخ نحو رؤية وطنية

إن الاعتماد الطويل على مراجع الرحالة الأجانب جعل فهم تاريخ دارفور قاصراً ومسطحاً وغالباً ما صوره كإقليم معزول أو بدائي، إن دراسة المصطلحات العربية والأعراف المحلية الموروثة هي السبيل الوحيد لتصحيح التشوهات التي كرسها المنظور الاستعماري. لقد أعادت العربية صياغة دارفور وحولتها من مجموعات إثنية مشتتة إلى دولة سلطانية ذات مؤسسات راسخة، إن إعادة الاعتبار لهذا التاريخ وفهم هذا الإرث الإداري العميق المتمثل في نظام الحواكير والإدارة الأهلية الرصينة  ليس مجرد ترف فكري، بل المفتاح الأساسي والمدخل الحقيقي لحل النزاعات الحالية في الإقليم وإعادة بناء السلم المجتمعي على أسس تاريخية متينة.