📁تأطير عام: الأزمة في سياقها التاريخي والسياسي

يمثل كتاب “دارفور: حصاد الأزمة بعد عقد من الزمان”، الصادر عن مركز الجزيرة للدراسات عام 2013، محاولة أكاديمية جادة لتقييم مسار الأزمة الدارفورية خلال الفترة الممتدة من اندلاع التمرد المسلح عام 2003 حتى توقيع وثيقة الدوحة عام 2011. يضم الكتاب مجموعة من الباحثين السودانيين والأجانب، أغلبهم من ذوي الخبرة المباشرة في القضية، ويتوزعون بين أكاديميين وسياسيين سابقين وناشطين، مما يمنح العمل طابعًا تعدد الرؤى مع الحفاظ على العمق التحليلي.

يقع الكتاب في اثني عشر فصلاً، تتوزع بين التأصيل التاريخي للصراع، وتحليل بنية الدولة السودانية، ودراسة الحركات المسلحة ودينامياتها، وتقصي الأبعاد الاقتصادية والإنسانية، وصولاً إلى تقييم جهود السلام الدولية والإقليمية. يُميز العمل أنه لا يقتصر على وصف الوقائع، بل يسعى إلى تفكيك الإشكاليات الهيكلية التي جعلت من دارفور بؤرة أزمة متجددة، ويناقش بإسهاب إشكالية “الهامش والمركز” كإطار تفسيري رئيسي للصراع.

📖أولاً: الجذور التاريخية والجغرافية للأزمة

يبدأ الطيب زين العابدين محمد الفصل الأول بتقديم خلفية جغرافية-تاريخية شاملة، موضحًا أن إقليم دارفور يتميز بتنوع بيئي كبير أسهم في تشكيل أنماط معيشية متباينة بين الزراعة المستقرة والرعي الرحل. يعود تاريخ السلطة المنظمة في الإقليم إلى قرون، إذ كانت سلطنة دارفور قائمة منذ القرن السابع عشر، وهو ما منح الإقليم تراثًا إداريًا وسياسيًا متميزًا ضمن السودان.

يشير الكاتب إلى أن الصراعات القبلية التقليدية كانت تُحل عبر نظام الإدارة الأهلية وآليات “الجودية” و”المؤتمرات القبلية”، وكانت محدودة النطاق قصيرة الأمد. لكن التحولات التي طرأت منذ السبعينيات، وتحديدًا قرار إلغاء نظام الإدارة الأهلية عام 1971، أدت إلى إضعاف هذه الآليات التقليدية في وقت تفاقمت فيه حدة التنافس على الموارد بسبب موجات الجفاف المتعاقبة والنمو السكاني المتسارع.

يُبرز الفصل أن الصراع على الأرض وملكيتها (نظام الحواكير) كان العامل المحوري في تأجيج النزاعات، إذ تتعارض الأعراف التقليدية التي تمنح القبائل صاحبة الدار حقوقًا حصرية في إدارة الأرض مع الواقع الديموغرافي المتغير وهجرات القبائل العربية القادمة من تشاد. لكن الكاتب يحذر من اختزال الصراع في بعده العرقي، مشيرًا إلى أن التصنيف الثنائي (عرب/أفارقة) هو نتيجة لتسييس الصراع لاحقًا وليس سببًا جذريًا له.

📖ثانيًا: الدولة السودانية ومعضلة المركز والهامش

يقدم التجاني عبد القادر حامد في الفصل الثاني قراءة نظرية عميقة لأزمة دارفور من منظور علاقة الدولة بالمجتمع. يعتمد الكاتب على مقاربة “استقلالية الدولة” التي طورتها ثيدا سكوتشبول، موضحًا أن الدولة السودانية الحديثة نشأت في سياق استعماري بوصفها كيانًا متعاليًا على المجتمع يسعى إلى اختراقه وإعادة تشكيله وفق رؤى نخبوية مثالية، بدلاً من أن تكون نتاجًا لصراعات داخلية ناضجة كما حدث في التجربة الأوروبية.

يرصد الكاتب فشل المحاولات المتعاقبة لفرض هيمنة الدولة على المجتمع التقليدي، بدءًا من الدولة المهدية التي صفت زعماء القبائل، ومرورًا بحكومة النميري التي ألغت الإدارة الأهلية، وصولاً إلى نظام الإنقاذ الذي واصل سياسات المركزية القسرية. ويخلص إلى أن الفجوة بين الدولة والمجتمع تتعمق كلما لجأت السلطة المركزية إلى القمع والاستئثار بالموارد، خاصة في ظل الحروب الطويلة التي تستنزف موارد الأقاليم الطرفية لصالح حروب المركز.

يربط حامد بين تفجر أزمة دارفور وانشغال الدولة بحرب الجنوب الممتدة، إذ اضطر النظام إلى سحب الموارد البشرية والمادية من الأقاليم الطرفية لتمويل الحرب، مما زاد من إحساس هذه الأقاليم بالتهميش والإقصاء. كما يخصص الكاتب مساحة مهمة لتحليل أثر انشقاق الحركة الإسلامية عام 2000 على الأزمة الدارفورية، إذ فقد النظام قطاعًا كبيرًا من مؤيديه في الإقليم الذين التحقوا بصفوف المعارضة المسلحة، وفي مقدمتهم الدكتور خليل إبراهيم مؤسس حركة العدل والمساواة.

◼️ثالثًا: الحركات المسلحة: النشأة والتركيبة والانقسامات

يتتبع محمد الأمين خليفة في الفصل الثالث مسار الحركات المسلحة منذ جذورها الأولى في صراعات الثمانينيات، وصولاً إلى تعددها وتشرذمها. يقدم الكاتب تحليلاً مفصلاً للصراعات القبلية التي سبقت التمرد المسلح، موثقًا كيف تحولت النزاعات حول المراعي والمياه إلى صراعات سياسية مع تدخل الأحزاب ودول الجوار.

يُظهر الكاتب أن شرارة التمرد اشتعلت في سياق تداخل عدة عوامل: هجرات قبائل عربية من تشاد في منتصف الثمانينيات، وجفاف شديد زاد من حدة التنافس على الموارد، وتدخل ليبي في الصراع التشادي جعل دارفور ساحة لتمرير السلاح. كما يسلط الضوء على دور “التجمع العربي” الذي تشكل عام 1989 كمحاولة من القبائل العربية للحصول على تمثيل سياسي أكبر، وهو ما أسهم في تعميق الاستقطاب الإثني.

يخصص الكاتب مساحة مهمة لتحليل الانقسامات التي ضربت الحركات المسلحة، والتي بلغت نحو ثلاثين حركة وفصيلاً. يرجع هذه الانقسامات إلى غياب المؤسسية، وغلبة الروح القبلية، وابتعاد القيادات عن قواعدها، واختراق أجهزة الحكومة للحركات بهدف تجزئتها وإضعافها. كما يشير إلى دور دول الجوار المتقلب في خلق حواجز أمنية وأيديولوجية حالت دون توحد الحركات. ويعتبر خليفة أن اتفاقيات السلام الجزئية المتعددة التي وقعتها الحكومة مع فصائل منفردة كانت سببًا في تعميق التشرذم وليس في إنهاء الصراع.

✏️رابعًا: الشباب والمرأة: وقود الحرب وصناع السلام

يقدم حمد عمر حاوي في الفصل الرابع دراسة معمقة لدور الشباب في الصراع، معتبرًا أن محنة الشباب هي من أهم مفاتيح فهم الأزمة. فالإحباط الناتج عن تردي التنمية وضعف فرص التعليم والتشغيل جعل من الشباب وقودًا للحرب، إما بالانضمام إلى الحركات المسلحة أو بالانخراط في المليشيات الموالية للحكومة، أو حتى بالهجرة غير الشرعية إلى خارج البلاد.

يرصد الكاتب تحولات وعي الشباب الدارفوري في الجامعات السودانية، حيث تشكلت روابط قوية عبّرت عن خصوصية قضية الإقليم وتبنت مواقف متشددة تتجاوز أحيانًا المطالبة بالعدالة إلى المطالبة بتقرير المصير. ويحذر من أن استمرار الأزمة دون حل سينقل قيادة الحركات إلى جيل جديد تربى في المخيمات أو المهجر، وهو جيل أكثر تشددًا وأقل ارتباطًا بوحدة السودان. ويختم بالدعوة إلى إشراك الشباب في مساعي السلام ومعالجة قضاياهم في إطار قومي شامل.

في الفصل السابع، تركز سامية أحمد نهار على واقع المرأة في قلب الصراع، موثقة كيف أن الحرب فاقمت معاناة النساء في ظل غياب العائل وانتشار العنف الجنسي. لكنها تشير إلى مفارقة مهمة: النزوح إلى المدن أتاح للمرأة فرصًا للتعليم والعمل، وعزز دورها الاجتماعي ومشاركتها في صنع القرار داخل المخيمات. كما أن الانتقال إلى المخيمات خفف من أعباء تقليدية مثل جلب الماء من مسافات بعيدة. وعلى الرغم من ذلك، تظل المرأة مهضومة الحقوق، وتتحمل أعباء اقتصادية واجتماعية مضاعفة بأجور أقل بكثير من الرجال. تختم الكاتبة بالدعوة إلى سياسات حكومية ومجتمعية ودولية تخفف معاناة المرأة وتعزز دورها في بناء السلام.

📘خامسًا: اقتصاد الحرب وحروب الاقتصاد

يُقدم خالد التجاني النور في الفصل الخامس تحليلاً معقدًا للجذور الاقتصادية للنزاع وتفاعلات اقتصاد الحرب. يرى الكاتب أن الصراع حول الأرض والموارد الطبيعية المحدودة هو الدافع الأساسي الذي تغذى بعوامل سياسية وبيئية. فندرة الموارد في ظل الجفاف المتكرر والنمو السكاني المضطرد، أدت إلى تدافع اقتصادي استخدمت فيه القوة لفرض واقع جديد على حساب الأعراف التقليدية التي نظمت حيازة الأرض لقرون.

يُوثق الكاتب تدمير الحرب للقطاع الزراعي والرعوي، وهما عماد اقتصاد الإقليم، حيث تراجعت المساحات المزروعة من 4.5 مليون فدان إلى أقل من مليون فدان، وتقلصت التجارة التقليدية بنسبة تجاوزت 70% في بعض الأسواق. كما يشير إلى بروز اقتصاد الظل وأنشطة طفيلية استفادت من الحرب، مثل فرض الإتاوات من قبل الأطراف المسلحة، والتجارة غير المشروعة، وسوق المواسري في الفاشر التي انهارت بعد أن التهمت مدخرات الآلاف. لكنه يسجل أيضًا مفارقة مهمة: ازدهار قطاع الخدمات والتجارة في المدن بفضل الوجود الدولي المكثف (يوناميد والمنظمات الإنسانية)، مما خلق اقتصادًا موازيًا استفادت منه طبقة جديدة من “المستفيدين من الحرب” على حساب المنتجين التقليديين.

على المستوى القومي، يظهر الكاتب كيف أن حرب دارفور التهمت موارد ضخمة من الميزانية العامة، حيث تضاعف الإنفاق العسكري من 1.8% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2003 إلى 3.9% عام 2005، وظل يتجاوز 3% طوال سنوات الحرب. ويقدر أن إجمالي التكلفة الاقتصادية للحرب بلغ نحو 22 مليار دولار، شملت نفقات عسكرية وخسائر في الإنتاجية والبنية الأساسية. ومع انفصال الجنوب وفقدان 75% من عائدات النفط، باتت تكلفة استمرار الحرب أثقل من أي وقت مضى، مما يفرض البحث عن تسوية سياسية شاملة.

♟️سادسًا: الأزمة الإنسانية ومستقبل النازحين

يتناول منزول عسل في الفصل السادس الوضع الإنساني في دارفور بوصفه جوهر الأزمة وأحد أهم أسباب تدويلها. يوثق الكاتب حجم المأساة: نحو 1.7 مليون نازح داخل دارفور، وأكثر من 250 ألف لاجئ في تشاد، فضلاً عن أعداد كبيرة خارج المعسكرات في العاصمة ومدن أخرى. ويشير إلى أن التقديرات تتراوح بين 70 ألفًا و300 ألف قتيل، مع تحفظ الحكومة التي لا تتجاوز تقديراتها 10 آلاف قتيل.

يركز الكاتب على تحديات إعادة النازحين واللاجئين، محذرًا من أن الحديث عن “العودة الطوعية” يجب أن يأخذ في الاعتبار التحولات العميقة التي حدثت خلال سنوات النزوح. فقد نشأت أجيال جديدة في المخيمات لا عهد لها بحياة الريف، وتوفرت خدمات قد تغري الكثيرين بالبقاء. كما أن فقدان الثقة بين مكونات المجتمع المحلي، وتدمير البنية الاقتصادية، والصدمات النفسية التي لحقت بالنازحين، كلها عوامل تجعل العودة إلى المناطق الأصلية غير واقعية بالنسبة للكثيرين. ويخلص إلى أن المعالجة المثلى للقضية الإنسانية يجب أن تتم في إطار حل سياسي شامل يحترم خيارات المتضررين، ويتطلب التزامات واضحة من الحكومة والمجتمع الدولي.

🔸️سابعًا: السلام المتعثر: اتفاقيات وإشكاليات

تُقدم بلقيس بدري في الفصل التاسع تحليلاً نقديًا لاتفاقيات السلام التي وقعت بين الحكومة والحركات المسلحة، بدءًا من اتفاقية أبوجا عام 2006 وصولاً إلى وثيقة الدوحة عام 2011. ترى الكاتبة أن المشكلة الأساسية تكمن في تعدد الاتفاقيات الذي ولد التضارب، إضافة إلى أن معظمها وقع على عجل، ولم يوقع مع كل الحركات، بل مع فصائل منفصلة عن الحركات الأساسية.

تُشير بدري إلى أن الاتفاقيات تكررت فيها العناوين الرئيسية (تقسيم السلطة والثروة، الترتيبات الأمنية، العدالة الانتقالية)، مما يشي بتوافق على جذور الأزمة، لكن التنفيذ واجه إشكالات متعددة، منها: غياب الضمانات الدستورية، وازدواجية السلطة بين المجلس الإقليمي الانتقالي والولايات المنتخبة، وعدم استيعاب الاتفاقيات للمليشيات القبلية الموالية للحكومة، وضعف بنود العدالة الانتقالية. كما تنتقد الكاتبة استنساخ تجربة اتفاقية السلام الشامل لجنوب السودان وتطبيقها على دارفور رغم اختلاف الظروف، وتشير إلى أن الاتفاقيات انعقدت في جو من عدم الثقة بين الأطراف. وتختتم بتقديم مقترحات عملية، أبرزها إصدار قرار جمهوري بتكوين إقليم دارفور في إطار حكم ذاتي، وإعادة هيكلة القوات النظامية لضمان قوميتها، وإجراء تعديلات دستورية تضمن استدامة السلام.

🔹️ثامنًا: التدخل الدولي وإشكالية “مسؤولية الحماية”

يُحلل فتح الرحمن القاضي في الفصل العاشر مبدأ “مسؤولية الحماية” وتطبيقه في دارفور، بوصفها أول اختبار عملي لهذا المبدأ بعد إقراره في قمة نيويورك عام 2005. يرى الكاتب أن المجتمع الدولي تصدى بقوة للانتهاكات في دارفور ظاهريًا: أصدر مجلس الأمن أكثر من عشرين قرارًا، وأحال الملف إلى المحكمة الجنائية الدولية، وأنشأ واحدة من أكبر بعثات حفظ السلام في العالم (يوناميد). لكنه يخلص إلى أن النتيجة لم تكن مُرضية: السلام لم يتحقق، والأزمة الإنسانية تتفاقم، وقوات حفظ السلام عاجزة عن الدفاع حتى عن نفسها.

يطرح الكاتب تساؤلات حول جدوى استمرار البعثة بميزانية تصل إلى 1.5 مليار دولار سنويًا، ويرى أن الأجدى لو حُولت هذه الميزانية إلى جهود بناء السلام والتنمية داخل الإقليم. كما ينتقد الانتقائية في تطبيق مبدأ الحماية، ففي الوقت الذي تدخلت القوى الغربية في ليبيا بسرعة، لم تبدُ الهمة نفسها تجاه سوريا أو مناطق أخرى. ويخلص إلى أن تجربة دارفور لم تعزز سلطان هذا المبدأ الذي ما يزال موضع خلاف حاد بين أطراف المجتمع الدولي.

♻️تاسعًا: الأدوار الإقليمية المتقلبة

يتناول أليكس دو فال في الفصل الحادي عشر الأدوار الإقليمية في الأزمة، مع التركيز على دور الاتحاد الأفريقي الذي جعل من دارفور حقل اختبار لتوجهاته الجديدة في معالجة أزمات القارة. فقد تأسس مجلس السلم والأمن في الاتحاد الأفريقي تزامنًا مع تفجر الأزمة، وتصدى الاتحاد بقيادة المفاوضات وإرسال مراقبين وقوات حفظ السلام. كما تشكلت لجنة الحكماء برئاسة تابو مبيكي التي طرحت مبادرات خلاقة للتعامل مع الأزمة في إطار قومي شامل.

لكن دو فال يوثق التحديات التي واجهت الاتحاد الأفريقي: ضعف الموارد وقلة الخبرة، وتحيّز الإعلام الغربي والدبلوماسية الغربية التي دفعت إلى استبدال الدور الأفريقي بدور أممي، وتوترات الشراكة بين الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة. كما يسلط الضوء على دور تشاد وليبيا المتقلب، وكيف أن الرئيس التشادي إدريس ديبي تحول من داعم للنظام السوداني إلى استخدام الحركات الدارفورية في حرب بالوكالة، قبل أن يعود ويتحالف مع الخرطوم مجددًا. ويشير إلى الدور القطري الطموح في الوساطة، لكنه يرى أن قطر لم تستخدم كل إمكانياتها في هذا الصدد، واكتفت بالاعتماد على مواردها المالية وعلاقاتها الشخصية مع الأطراف الرئيسة.

◼️عاشرًا: عقوبات فارغة ومجتمع دولي متخبط

يقدم جيروم توبيانا في الفصل الثاني عشر نقدًا لاذعًا لنظام العقوبات الدولي في دارفور، معتمدًا على تجربته كعضو في لجنة الخبراء المكلفة من مجلس الأمن. يوثق الكاتب كيف أن العقوبات المفروضة على أربعة أفراد فقط (اثنان من المتمردين واثنان من الموالين للحكومة) طُبقت بشكل انتقائي وارتكزت على معلومات غير دقيقة، بل إن بعض المفروض عليهم العقوبات علموا بها من وسائل الإعلام المحلية وليس من الأمم المتحدة.

يوضح توبيانا أن قيود السفر المفروضة على هؤلاء الأفراد خُرقت بشكل متكرر، حيث سافر بعضهم إلى دول مجاورة بل وإلى الدوحة للمشاركة في مفاوضات السلام بتأشيرات من الأمم المتحدة نفسها. كما أن تجميد الأصول لم يُطبق بحذافيره. ويكشف الكاتب عن التناقضات الكامنة في الموقف الدولي: ففي الوقت الذي يتجه فيه المجتمع الدولي إلى إلقاء اللوم على المتمردين لعرقلتهم جهود السلام، يبقى مجلس الأمن عاجزًا عن اتخاذ إجراءات حاسمة تجاه الحكومة بسبب الفيتو الروسي والصيني. ويخلص إلى أن العقوبات لم تكن فاعلة، بل مثلت عبئًا على عملية السلام، وعكست حالة الانقسام العميق في المجتمع الدولي وعدم قدرته على وضع استراتيجية متماسكة لحل الأزمة.

📖استخلاصات مركزية: نحو حل شامل

تتضافر فصول الكتاب حول عدة استخلاصات مركزية يمكن إجمالها في الآتي:

1. أزمة هيكلية وليست عَرَضية: الصراع في دارفور ليس مجرد نزاع قبلي أو صراع على موارد، بل هو تعبير عن أزمة عميقة في بنية الدولة السودانية التي نشأت متعالية على المجتمع وتستمر في سياسات التهميش والاستئثار بالسلطة والثروة.
2. المعضلة الدائرية: تواجه دارفور سلسلة من الحلقات المفرغة: فتحقيق السلام يتطلب تنمية، لكن التنمية تحتاج إلى سلام. ومعالجة جذور الأزمة تتطلب إصلاحًا قوميًا شاملًا، لكن الإصلاح الشامل يستدعي وحدة أهل دارفور، ووحدتهم مستحيلة في ظل صراع قائم مع المركز.
3. الفجوة بين الجذور والتداعيات: شهدت دارفور تدميرًا هائلاً لاقتصادها وبنيتها الاجتماعية خلال عقد الحرب، مما جعل معالجة التداعيات الإنسانية الطارئة تتصدر الأولويات على حساب معالجة الجذور الأساسية للأزمة.
4. تحولات عميقة في النسيج الاجتماعي: النزوح واللجوء أحدثا تغيرات جذرية في المجتمع الدارفوري، حيث نشأت أجيال جديدة في المخيمات، وتغيرت أدوار المرأة والشباب، وضعفت المؤسسات التقليدية (الإدارة الأهلية) لصالح كيانات جديدة (الحركات المسلحة، تيارات شبابية في المخيمات والجامعات).
5. فشل النهج الجزئي: الاتفاقيات الجزئية المتعددة مع فصائل منفردة، والتركيز على حركات مسلحة دون أصحاب مصلحة آخرين، واستنساخ تجارب من جنوب السودان دون مراعاة خصوصية دارفور، كلها عوامل أسهمت في تعقيد الأزمة بدلاً من حلها.
6. الدور الدولي المتخبط: تدخل المجتمع الدولي كان مشوبًا بالانتقائية والتناقض، حيث تعددت الآليات (عقوبات، محكمة جنائية، قوات حفظ سلام، مفاوضات منفصلة) دون تنسيق حقيقي أو استراتيجية واضحة، مما مكن الحكومة من المناورة وواصل الحركات المسلحة من الالتفاف على التسويات.
7. ضرورة الحل القومي الشامل: لا يمكن حل أزمة دارفور بمعزل عن إعادة هيكلة الدولة السودانية بأكملها، وإقامة نظام ديمقراطي حقيقي يتسع للتنوع الثقافي والإثني، ويوزع السلطة والثروة بشكل عادل، ويكسر احتكار المركز للقرار.

◼️خاتمة: نحو مستقبل ما بعد الأزمة

♟️يختتم الكتاب برؤية مستقبلية تتجاوز حدود دارفور إلى السودان ككل. فالحل الشامل يتطلب قيادات ملهمة تتصالح مع نفسها ومع الآخر، وتتجاوز العصبيات الضيقة إلى رؤية وطنية جامعة. كما يتطلب إعادة هيكلة الدولة على أسس ديمقراطية تشاركية، وتوفير بيئة جاذبة للاستثمار والتنمية، وبناء الثقة بين مكونات المجتمع السوداني المتعدد.

♟️لكن الإشكالية الكبرى تكمن في أن إرادة الحل لا تزال غائبة عن الأطراف الفاعلة. فالنظام الحاكم غير جاد في المشاركة الحقيقية في السلطة، والحركات المسلحة غير قادرة على التوحد والتفاوض باسم دارفور، والمجتمع الدولي منشغل بأزمات أخرى ويائس من تعقيدات الأزمة. ومع تزايد الصراعات القبلية العبثية في السنوات الأخيرة، وتدهور الأمن حتى داخل المدن، فإن دارفور توشك أن تتحول إلى “حميّات” تحت سيطرة حاملي السلاح وشباب القبائل، مع تراجع دور الدولة وتفكك مؤسساتها.

♟️يظل الكتاب مفتوحًا على سؤال جوهري: هل يجد السودان قيادات تنقذه من هذا المصير، أم أن البلد مقدر له أن يبقى نموذجًا للدولة الفاشلة كما تزعم بذلك العديد من الدوائر المحلية والعالمية؟ الإجابة عن هذا السؤال تتوقف، في نهاية المطاف، على خيارات السودانيين أنفسهم، وقدرتهم على تجاوز انقساماتهم إلى رؤية مشتركة لدولة القانون والمواطنة المتساوية.