د.مهند عثمان التوم

عندما ينظر المراقب اليوم إلى خارطة السودان التي تضج بالنزوح، والمدن التي تحولت إلى ساحات معارك، والجيوش التي تتناحر على شرعية السلطة، لا يجد أمامه مجرد “حرب وليدة اللحظة”. إن ما نشهده هو الفصل الأخير في مأساة كتب فصولها الأولى جنرالات لم يدركوا أن الدبابة قد تفرض سيطرة مؤقتة، لكنها لا تبني دولة. إن جذور المأساة السودانية أعمق بكثير مما تبدو عليه في نشرات الأخبار؛ إنها قصة وطن تفتت إرادياً وقسرياً، وتجاذبت أطرافه نخب عسكرية لم ترَ في الدولة سوى “مغنم” أو “مسؤولية مطلقة” تدار بحد السيف.

الخطيئة التأسيسية.. إرث الاستعمار وتفتيت الهوية

لفهم لماذا انهار السودان، يجب العودة إلى عام 1898، حيث “التوحيد” الذي حمل في طياته بذور التفكيك. لم يكن الاستعمار البريطاني شراً محضاً أو خيراً مطلقاً، بل كان مهندساً لتناقضات ظلت تفجر البلاد لعقود. حين ألحقت بريطانيا الهزيمة بالمهديين ووحدت الرقعة الجغرافية الهائلة، كانت تفعل ذلك تحت شعار الإدارة لا الاندماج. لكن “السياسة الجنوبية” التي انتهجتها لاحقاً –والتي سعت لعزل الجنوب عن التأثير الشمالي العربي والمسلم– خلقت شرخاً عميقاً.

هذا الشرخ لم يكن جغرافياً فحسب، بل صار “هوياتياً”. وعندما أدركت بريطانيا أن شمسها آخذة في الأفول بعد الحرب العالمية الثانية، لم تبحث عن حلول جذرية للتناقضات التي صنعتها، بل قررت “الدمج البسيط”. هكذا، ومن دون مقدمات، وجد الجنوبيون أنفسهم جزءاً من كيان مركزي في الشمال لم يشاركوا في صياغة عقده الاجتماعي. كان رد الفعل طبيعياً في عرف التاريخ: التمرد المسلح في 1955، الذي لم يكن مجرد صرخة احتجاج، بل كان إيذاناً ببدء “عصر الحرب الأهلية” الذي لم يغادر السودان إلا قليلاً.

إن المأساة الحقيقية تكمن هنا: كان بإمكان النخب السودانية بعد الاستقلال (1956) أن تضمد هذا الجرح عبر بناء دولة مواطنة، لكنها اختارت استنساخ أخطاء المستعمر وصبّها في قوالب جديدة من الصراع على السلطة.

عصر الجنرالات.. الانقلاب كحلٍّ وحيد

لم يكن الانهيار السوداني قدراً محتوماً، بل كان “خياراً” تبناه الجنرالات. في كل مرة كانت الحياة السياسية تتعثر، أو يعجز المدنيون عن التوافق، كان هناك دائماً عسكريٌّ يخرج من ثكنته، يعتقد واهماً أنه يملك “عصا موسى” التي ستوحد البلاد وتنهي الأزمات.

إبراهيم عبود: أوهام الانضباط العسكري

كان إبراهيم عبود، الذي استولى على السلطة في 1958، هو البذرة الأولى التي أثمرت لاحقاً هذا الخراب. جاء عبود بعد عامين فقط من استقلال البلاد، وهي فترة لم تكن كافية لأي تجربة ديمقراطية لتنضج. كان السودان وقتها يعاني من انقسامات حادة: شمال مسلم ومتقدم تعليمياً، وجنوب مسيحي ومهمش، وصراع بين تياري “حزب الأمة” (المهدي) و”الحزب الوطني الاتحادي” (الختمية).

بدل أن يكون الحكم العسكري جسراً للعبور نحو الدولة، كان عبود أول من قايض الحريات بالاستقرار الزائف. لقد ظن أن الانقلاب هو الحل السحري لتعدد الولاءات وتباين الرؤى. لكن ما فعله في الواقع هو “عسكرة” الحياة العامة، وهو ما أدى لتعميق الفجوة بين الدولة والمجتمع، خاصة في الجنوب الذي شعر أن الحكم العسكري هو الوجه الآخر للهيمنة الشمالية.

جعفر نميري: صعود المصلحة الاستبدادية وسقوط الأقنعة

جاء جعفر نميري في 1969، في لحظة بلبلة سياسية أعقبت “ثورة أكتوبر” التي أطاحت بعبود. في البداية، بدا نميري مختلفاً؛ تبنى شعارات يسارية، ثم انتقل ليكون حليفاً للغرب، ثم “أمير المؤمنين” في أخريات أيامه. كان نميري نموذجاً للرجل الذي لا يؤمن بمؤسسات، بل بـ “الولاءات المتغيرة”.

في 1972، بدا وكأن نميري قد حقق المعجزة باتفاق “أديس أبابا” الذي أنهى الحرب الأهلية. لكن “الاستعجال في حصد النتائج” كان سمة عهده. لم يكن السلام عنده قناعة راسخة، بل كان تكتيكاً للبقاء. وفي 1983، وفي لحظة استبدادية فارقة، ألغى نميري اتفاق أديس أبابا وفرض قوانين الشريعة، ليعيد إشعال الحرب الأهلية الثانية، وبضراوة أكبر.

لقد كان نميري أول من فتح الباب رسمياً لاختراق الإسلاميين لجهاز الدولة، حين عيَّن حسن الترابي مدعياً عاماً في 1979. لقد كان العسكر، في سعيهم لتثبيت أركان حكمهم، يظنون أنهم قادرون على ترويض الأيديولوجيا، لكن النتيجة كانت أن “الوحش الأيديولوجي” هو من روَّض الدولة.

عمر البشير: ثلاثون عاماً من التفتيت

إذا كان عبود ونميري قد وضعا القواعد، فإن عمر البشير هو من بنى صرح المأساة بالكامل. بدعم من “الجبهة الإسلامية” والترابي، انقلب البشير في 1989 على آخر تجربة برلمانية ديمقراطية في تاريخ السودان.

كان عهد البشير هو الأطول والأكثر فتكاً. في ظل حكمه، تحول السودان إلى ملاذ دولي للجماعات المتطرفة (استضافة أسامة بن لادن)، بينما كان الداخل ينهش بعضه. ولم تكن مشكلة الجنوب كافية، فظهرت “أزمة دارفور” في 2003، التي تحولت إلى حرب إبادة.

لم يكتفِ البشير بذلك، بل كان “براقاً” في تقلباته. حين أدرك أن الجنوبيين باتوا عبئاً على طموحه السلطوي، أقر لهم بحق تقرير المصير (2011)، ليخسر السودان ثلث مساحته. ولم تنتهِ الحكاية هنا، فالبشير، كنميري قبله، انقلب على أستاذه الترابي، معلناً أن “سماء الإسلاميين لا تتسع لنجمين”.

ما بعد 2019.. حين تأكلت الدولة

حين أطاحت الاحتجاجات الشعبية بالبشير في 2019، تنفس السودانيون الصعداء، ظناً منهم أن “عصر الانقلابات” قد ولى. لكن، وكما يثبت التحليل التاريخي، فإن إرث العسكر ليس مجرد أشخاص، بل هو بنية عميقة داخل الدولة.

محاولات الانتقال الديمقراطي التي تلت 2019 لم تنجح، لأن “الدولة العميقة” لم تُفكك، بل أعادت ترتيب أوراقها. لقد انفجر الصراع في 2023 ليس بسبب خلاف سياسي بسيط، بل لأنه كان الصدام الحتمي بين “جيش الدولة” وقوات الدعم السريع. إن الحرب الراهنة هي التجسيد الأخير لنظرية “عسكرة المجتمع” التي بدأها عبود، وطورها نميري، وبلغت ذروتها مع البشير.

الفاتورة الإنسانية.. وطنٌ ينزف

إن التكلفة الحقيقية ليست في أرقام الميزانيات أو خسائر البنية التحتية، بل في النسيج الاجتماعي السوداني الذي تمزق. نزوح 9 ملايين سوداني داخل بلدهم، ولجوء 4 ملايين آخرين إلى دول الجوار، ليس مجرد أرقام؛ إنه “إعلان وفاة” للحياة كما كان يعرفها السودانيون.

أما الضحايا، الذين تتراوح أعدادهم بين 60 إلى 150 ألف قتيل، فهم الشهود الحقيقيون على فشل النخبة العسكرية. وما يزيد المأساة سوءاً هو أن الكثير من الوفيات لم تُسجل، لتعذر الوصول إلى المناطق النائية. السودان اليوم يعيش “غياب الدولة”، حيث السلاح هو السلطة الوحيدة، والقدرة على القتل هي المعيار الأوحد للبقاء.

هل من مخرج؟.. قراءة في “أنا” الجنرالات

عند تحليل مسيرة هؤلاء الجنرالات (عبود، نميري، البشير)، نجد خيطاً ناظماً واحداً: “تضخم الأنا”. لقد ساوى كل واحد منهم بين مصيره الشخصي ومصير الوطن. فبالنسبة لهم، “خلاص الدولة” ممكن فقط إذا كان “خلاصهم في السلطة” محققاً.

لقد عجز هؤلاء القادة عن فهم أن الدولة ليست شركة خاصة، وليست قطعة شطرنج تحركها أهواء القادة. الدولة هي عقد اجتماعي، وتنمية، وحوار، وقبول بالآخر. وبغياب هذه المقومات، تحول السودان من “سلة غذاء العالم” إلى “ساحة قتال مفتوحة”.

إن المأساة السودانية ليست قدراً، بل هي “تراكم أخطاء”. لقد كان السودانيون يدفعون ثمن رغبة العسكر في الحكم، وثمن عجزهم عن الابتكار السياسي. فبدل أن يكون الجيش حامي الدستور، تحول إلى طرف في الصراع. وبدل أن تكون السياسة وسيلة لإدارة التنوع، تحولت إلى وسيلة للإقصاء.

خاتمة: درس التاريخ

إن التاريخ السوداني يهمس بدرس واحد: كلما حاول العسكر حل أزمات الدولة بالقوة، كانت النتيجة تفتيتاً أكثر، وضحايا أكثر، وضياعاً أكبر. إن الحرب التي نراها اليوم في شوارع الخرطوم ودارفور ليست إلا صدىً لتلك الانقلابات الأولى.

لا يمكن بناء سودان جديد دون “تفكيك” حقيقي لهذا الإرث العسكري العقيم. لا بد من بناء دولة مدنية تحترم التعددية، وتؤمن بأن السلطة هي تداول سلمي وليست “غنيمة” لمن يملك السلاح. إن الطريق إلى الاستقرار طويل، لكنه يبدأ بالاعتراف بالحقيقة المرة: لقد كان “جنرالات الماضي” هم المعاول التي هدمت أركان المستقبل.

السودان اليوم بحاجة إلى ما هو أكثر من وقف لإطلاق النار؛ هو بحاجة إلى “إعادة تأسيس” فكرية وسياسية. إن التفتت الذي بدأ منذ 1898، والذي فاقمه الحكم العسكري لعقود، يتطلب اليوم رؤية وطنية لا ترتكز على “الأنا” المتضخمة للقادة، بل على “نحن” التي تشمل كل سوداني، من الشمال إلى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب.

إن المأساة السودانية، بكل دمويتها، هي دعوة لكل سوداني ليرفض منطق الانقلابات، ويتمسك بمنطق الدولة. فالتاريخ لا يرحم من يكرر أخطاءه، والسودان دفع من دماء أبنائه ثمناً باهظاً لهذا الدرس. فهل ستكون هذه الحرب هي النهاية، أم أنها ستكون جولة أخرى في تاريخ لن يغفر لمن حولوا الوطن إلى ساحة لتصفية الحسابات الشخصية؟

الجواب لا يكمن في البنادق، بل في العقول التي تدرك أن الدولة لا تبنى بالانقلاب، بل بالعدالة والمواطنة. هذه هي الحقيقة التي هرب منها الجنرالات، وهي الحقيقة التي سيعود إليها السودان، طال الزمن أو قصر.


تحليل ختامي:
إن هذا التحقيق يضع أيدينا على جوهر الأزمة السودانية: هي ليست مجرد أزمة اقتصادية أو نزاع على موارد، بل هي أزمة “نظام حكم”. لقد نجح العسكر في إضعاف القوى السياسية المدنية، وجعلوا من “الانقلاب” ثقافة سائدة. إن مأساة السودان اليوم هي صرخة مدوية في وجه كل من ظن أن القوة العسكرية هي الحل. إن الضحايا الذين سقطوا في حروب دارفور والجنوب، واليوم في الحرب الدائرة، هم الثمن الذي دفعه الشعب السوداني نتيجة غياب الدولة لصالح سلطة الجنرالات.

لا بديل للسودان سوى بناء عقد اجتماعي جديد، لا دور فيه للعسكر في السياسة، ولا مكان فيه للمليشيات الموازية، بل دولة مؤسسات تحترم القانون وتصون كرامة الإنسان. إن العودة إلى التاريخ ليست للبكاء على الأطلال، بل لفهم كيف وصلنا إلى هنا، ولضمان ألا يتكرر هذا المسار الانقلابي الذي لا يجلب معه سوى الخراب.

إن السودان، بتاريخه العريق وتنوعه الثقافي الغني، يستحق مستقبلاً أفضل من “تاريخ الانقلابات”. إن المأساة السودانية قد تكون الأقسى في تاريخنا المعاصر، لكنها أيضاً تحمل في طياتها بذور الأمل، لو تعلم السودانيون كيف يكسرون حلقة الجنرالات المفرغة، وينطلقون نحو رحاب الدولة المدنية التي تحلم بها أجيالهم.