بينما كان الرئيس الإثيوبي تايي أتسكي سيلاسي يخطب من منصة الأمم المتحدة، محذراً من “أطراف خارجية” تسعى لزعزعة استقرار بلاده، كانت أديس أبابا تشهد زلزالاً من نوع آخر؛ إعلان ميلاد “تحالف الشعوب الإثيوبية من أجل البقاء”. تكتل يجمع أضداداً تاريخيين في “زواج مصلحة” هدفُه الوحيد إسقاط حكومة آبي أحمد. فهل يمتلك هذا التحالف مقومات التغيير، أم أنه مجرد تكتل ظرفي محكوم بالفشل؟

خريطة التحالف: “معركة وجودية” أم ائتلاف هش؟

يضم التحالف الجديد 7 حركات مسلحة وسياسية تنحدر من أكثر الأقاليم سخونة (تيغراي، أمهرة، أوروميا، عفر، بني شنقول وقماز). يرى المحللون أن التسمية (من أجل البقاء) ليست مجرد شعار، بل تعبير عن شعور هذه المكونات بأن بقاء آبي أحمد في السلطة بات خطراً وجودياً على طموحاتهم ومستقبل أقاليمهم.

لكن خلف هذا الاصطفاف، كشفت مراقبات ميدانية عن ثغرات هيكلية:

  • غياب الرؤية: رغم الاتفاق على “إسقاط النظام”، يفتقر التحالف لبرنامج سياسي موحد لإدارة الدولة في “مرحلة ما بعد آبي أحمد”.
  • الوزن العسكري المتفاوت: يشير الخبراء إلى أن التحالف يفتقر للتوازن؛ فبينما تمتلك فصائل “التيغراي” و”فانو” و”أورومو” ثقلاً ميدانياً، لا تعدو الحركات الأخرى كونها واجهات سياسية وإعلامية تفتقر للعمق العسكري.

عاصفة التناقضات: هل يلتهم التحالف نفسه؟

يظل السؤال الأبرز: كيف يمكن لأطراف خاضت حروباً طاحنة في “حرب الشمال” (2020-2022) أن تقاتل في خندق واحد؟

الخصومة بين جبهة “تيغراي” ومسلحي “فانو” الأمهرة تمثل القنبلة الموقوتة داخل التحالف. النزاعات الحدودية حول “الأراضي الخصبة” والاتهامات المتبادلة بـ “جرائم الحرب” تجعل من هذا التحالف بنية هشة. وتؤكد تقارير استخباراتية أن “فانو” وضعت شروطاً صارمة للتعاون، تتصادم مع أدبيات قوى أخرى تطالب بـ “الفدرالية القومية”، مما يضع التماسك الداخلي للتحالف على المحك.

أوراق قوة آبي أحمد: إدارة الردع والاستقطاب

في المقابل، لا تبدو حكومة أديس أبابا في موقف المتفرج، بل تدير معركتها عبر “إستراتيجية مركبة”:

  1. التفوق التكنولوجي: امتلاك سلاح الجو والمسيرات الحديثة يمنح الجيش الفيدرالي أفضلية حاسمة في مواجهة فصائل تعتمد “حرب العصابات”.
  2. سياسة “التفكيك الناعم”: تعتمد الحكومة على تعميق الانقسامات داخل فصائل المعارضة، وفتح قنوات اتصال مع القيادات المعتدلة لعزل المتشددين.
  3. سردية “المؤامرة”: توظف أديس أبابا التهديدات الخارجية ومشاريع قومية مثل “سد النهضة” لصناعة اصطفاف شعبي حول “المركز”، مستغلةً المخاوف من انهيار الدولة.

التداعيات الإقليمية: شظايا الصراع لا تحترم الحدود

لم يعد الصراع شأناً إثيوبياً داخلياً، بل تحول إلى محرك لتوترات إقليمية واسعة:

  • انقلاب التحالفات: تغير الموقف الإريتري من حليف لأديس أبابا إلى داعم محتمل لخصومها.
  • الخاصرة السودانية: في ظل الحرب المستعرة في السودان، تثير الحدود المشتركة مخاوف من تحولها إلى ممر لتدفق السلاح والمقاتلين، مما يهدد بتدويل النزاع.
  • توازنات البحر الأحمر: الصراع يلقي بظلاله على طموحات إثيوبيا في الوصول للبحر الأحمر، وهو ملف يثير قلق مصر والصومال ودول القرن الأفريقي.

الخاتمة: السيناريو المتوقع

بينما يرى البعض في هذا التحالف فرصة لتكرار سيناريو 1991 (إسقاط نظام الديرغ)، تشير المعطيات الحالية إلى أن الفوارق الجوهرية في موازين القوى وطبيعة التناقضات العرقية تجعل تحقيق إنجاز إستراتيجي مماثل أمراً بعيد المنال.

إن “تحالف البقاء” يبدو اليوم أشبه بـ “مظلة قلقة” تجمع أطرافاً لا يجمعها سوى عدو مشترك، مما يعني أن استمرارية هذا التحالف وقدرته على تهديد أديس أبابا مرهونة بقدرته على تجاوز “شياطين التفاصيل” التاريخية، وهو أمر لم ينجح فيه حتى الآن.