د.مهند عثمان التوم
إن القاعدة الأصولية العقل مناط التكليف ليست مجرد نظرية فقهية بل دستور حيوي يحتاجه السودان اليوم أكثر من أي وقت مضى، فالمراد منها أن الإنسان لا يكلف ولا يسأل إلا إذا كان قادراً على الفهم والتمييز والاختيار مدركاً لعواقب أفعاله مسؤولاً عنها أمام نفسه وأمام وطنه.
لكننا في السودان نواجه اليوم مفارقة مؤلمة فبينما يطالب الواقع الصعب السودانيين بأن يكونوا أصحاب وعي بصير للخروج من أزماتهم نجد تيارا يربى على التلقين السياسي وتكرار الشعارات دون فهم أو سؤال وهكذا تحول الموقف السياسي والانتماء الحزبي عند الكثيرين من وسيلة للإصلاح والنهضة إلى أجوبة جاهزة وشعارات صماء لا يجوز الاقتراب منها أو مناقشتها حتى وإن أودت بالبلاد إلى الهلاك.
إن التراث السياسي والفكري لأحزابنا السودانية هو حصيلة تجارب طويلة وهو جزء من ذاكرتنا الوطنية وتاريخنا النضالي، لكن المشكلة تبدأ حين نعامل كل ما في أدبيات الأحزاب بوصفه مقدساً ثابتاً لا يقبل المراجعة، فنحن نخلط بين الثوابت الوطنية التي لا تتبدل وبين اجتهادات سياسية بشرية أفرزتها ظروف زمنية مضت ولم تعد صالحة لواقعنا اليوم.
عندئذ يجد الكثيرون في الانخراط الأعمى خلف قيادات الأحزاب أو السلطة راحة من عناء التفكير وفي موافقة الجماعة حماية من خوف الاختلاف والوصم بالتخوين لكن السودان يدفع ثمن ذلك غالياً أسئلة وطنية مصيرية تكتم وشكوكاً مشروعة في جدوى المسارات الحالية يخاف أصحابها من الاعتراف بها وإيماناً بالوطن يهتز حين يظن كل طرف أن الآخرين يستهدفونه لا أنهم يختلفون معه.
إن إعادة الاعتبار إلى العقل السوداني لا تعني التخلي عن هويتنا أو مهاجمة تاريخنا بل تعني أن نستوعب أن مصلحة السودان هي البوصلة وأن العقل هو وسيلتنا إلى فهم مآلاتنا وتدبر مصيرنا إنها تعني أن نقرأ خبراتنا السياسية بتدبر وننتفع بها من غير أن نغلق باب النقد أو نمتنع عن رفض ما يظهر لنا فشله أو عدم ملاءمته للسياق السوداني الحالي.
إن الوفاء للرموز الوطنية ولتاريخ الأحزاب لا يكون بتقديس كل ما نسب إليهم بل بالاستفادة من عقولهم لا استعارة قوالبهم فقد واجهوا وقائع عصرهم بما توافر لهم من أدوات وعلينا نحن أن نواجه أزماتنا الحالية بأدواتنا وعقولنا الحرة.
إن السودان يحتاج اليوم إلى إيمان وطني لا يخاف السؤال ولا يخشى النقد لأن الرسالة الكبرى في بناء الأوطان هي للإنسان العاقل الذي يفكر ويقرر لا للمقلد الذي يردد ما لا يفهم. فهل نملك شجاعة التفكير لننقذ ما تبقى؟
